مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٧٤مناجزة الإلحاد
الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارُ} (الزمر: 3). ومما سلف يتبيَّن لنا موقف المشركين في عصر النُّبوَّة من قضيَّة وجود الله. وينقل الطبري في تفسيره عن قتادة - في تفسير آية: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ يوسف: 106 - قوله: "إِنَّكَ لست تلقى أحدًا منهم إلا أَنبأَكَ أنَّ الله ربه، وهو الذي خلَقَه ورَزَقَه، وهو مُشرك في عبادته. النافذة المطلة على عصر الخلافة الراشدة)
عند التأمل في حوادث هذا العصر نجدها كثيرةً، ولكنَّ الحدث الأبرز - ممَّا يتصل بموضوع دراستنا هذه - هو حدث الردّة الذي أعقب انتقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى، فهو حدث مفصلي في تاريخ الإسلام؛ حيث ارتدت مجموعة من قبائل الجزيرة العربية، والمتتبع لحال أولئك المرتدين - من حيث سبب ارتدادهم - يجدهم أطيافًا متعددةً يجمعها جامع واحد وهو الارتداد، وهذه الأطياف الثلاثة هي كالآتي:
- مرتدون يؤمنون بجميع أركان الإسلام عدا ركن الزكاة).
- مرتدون مدَّعون للنُّبوَّة.
- مرتدون منسلخون من دائرة الإسلام بالكلية.
والمتتبع لحال أولئك المرتدين يجد أنهم جميعًا يؤمنون بالله، ووضفهم بالردة لا يعني إنكارهم الوجود الإلهي؛ وإنَّما هو وصف يُراد به بيان خروجهم من المنظومة الإسلامية التي أرادها الله، وذلك بإنكارهم ما نصَّ عليه القرآن أو ما جاء متواترا عن طريق النَّبي الخاتم - عليه الصَّلاة والسَّلام - فالطَّيف الأوّل أمرُهم جَليَّ واضح في إيمانهم بالله، بل وبجميع ما جاء على لسان رسوله إلا أنَّهم أنكروا ركنَ الزَّكاة وعدوه مرتبطًا بوجود الرسول الكريم، فلما انتقل إلى النَّديّ الأعلى امتنعوا عن أدائها.
أمَّا الطَّيف الثاني فإيمانُهم بالوجودِ الإلهي ظاهر، وادّعاءُ النُّبوَّة أصدقُ دليل على إيمانهم
1 - الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، (16/ 288).
2 - وهؤلاء لم يجحدوا ركن الزَّكاة رأسًا، بل كانت لهم قراءة مختلفة ترى بأنَّ وجوب دفع الزكاة منوط ومقيد بوجود النَّبي - صلى الله عليه وسلم - استدلالا منهم بفهمهم لقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنُ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (التوبة: 103).
74