مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٧٦مناجزة الإلحاد
(1) كُتُب ابن المقفع تفيض بالفرائد الماتعة، والحِكَمِ البليغة الكاشفة عن دينه وتوجهه، ومن ذلك ما سطره في كتابه (الأدب الصغير):
يقول في تعظيم الدين وتفخيمه: "الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله تعالى إلى خلقه، وأعظمها منفعة، وأحمدُها في كل حكمة، فقد بلغ فضلُ الدِّينِ والحكمة أن مُدِحَا على ألسنةِ الجُهَّال على جهالتهم وعماهُم عنهما).
ويقول في إعلاء فضل الله على الناس: "قد بلغ فضل الله على الناس من الشعة وبلغت نعمته عليهم من الشبوغ ما لو أنَّ أخسهم حظًّا وأقلهم منه نصيبًا وأضعفهم علمًا وأعجزهم عملًا وأعياهم لسانًا بلغ من الشكر له والثَّناء عليه بما خلص إليه من فضله، ووصل إليه من نعمته، ما بلغ له منه أعظمهم حظًّا وأوفرهم نصيبًا وأفضلهم علمًا وأقواهم عملًا وأبسطهم لسانًا، لكان عما استوجب الله عليه مقصرًا، وعن بلوغ غاية الشكر بعيدًا. ومن أخذ بحظه من شكر الله وحمده ومعرفة نعمهِ والثَّناءِ عليه والتَّحميدِ له، فقد استوجب بذلك - من أدائه إلى الله القربة عنده والوسيلة إليه والمزيد فيما شكره عليه من خير الدنيا، وحسن ثواب الآخرة - أفضل ما يعلم به علم ذي العلم وصلاح ذي الصَّلاح أن يستصلح بما أوتي من ذلك ما استطاع من النَّاس ويرغبهم فيما رَغِبَ فيه لنفسه من حبّ الله، وحبّ حكمته، والعمل بطاعته، والرجاء لحسن ثوابه في المعاد إليه وأن يُبينَ الذي لهم من الأخذ بذلك والذي عليهم في تركه، وأن يُورث ذلك أهلَهُ
ومعارفه ليلحقه أجره من بعد الموت (2). ويقول في أحق الناس: "أحقُّ النَّاسِ بالسُّلطان أهل المعرفة، وأحقهم بالتدبير العلماء، وأحقهم بالفضل أعودُهم على النَّاس بفضله، وأحقهم بالعلم أحسنهم تأديببًا، وأحقهم بالغنى أهل الجود، وأقربهم إلى الله أنفذهم في الحق علما وأكملهم به عملًا، وأحكمهم أبعدهم من الشَّك في الله، وأصوبهم رجاءً أوثقهم بالله، وأشدهم انتفاعًا بعلمه أبعدهم من الأذى، وأرضاهم في النَّاسِ أفشاهم معروفًا، وأقواهم أحسنهم، معونةً، وأشجعهم أشدهم على الشيطان، وأفلحهم بحجة أغلبهم للشَّهوة والحرص وآخذهم بالرَّأي أتركهم للهوى، وأحقهم بالمودة أشدهم لنفسه حبا، وأجودهم أصوبهم بالعطية موضعًا، وأطولهم راحةً أحسنهم للأمور احتمالا، وأقلهم دهشًا أرحبهم ذراعًا، وأوسعهم غنى أقنعهم بما أبعدهم من الإفراط وأظهرهم جمالًا أظهرهم حصافة،
1 - ابن المقفع، آثار ابن المقفع، ص 293.
2 - المرجع السابق، ص 293
76