مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٧٨مناجزة الإلحاد
هذه مقتطفات يسيرة أحببنا أن نَضَعَها بين يدي القارئ، فليس الخبرُ كالمعاينة وبعدها نقول وقلوبنا يعصرها الأسى - لا ندري كيف ساغ لمطَّلع على كُتُبِ ابنِ المَقَفَّعِ أَن يَرميه بالضَّلال والإلحاد!! وبالمثل، كيف ساغ لأولئك الذين لم يُمتِّعوا ذائِقَاتِهم، ولم يشنّفوا أسماعهم بماتعاتِ ابن المقفع أن يفتحوا أشداقهم عن آخرها مطلقين تهمة الإلحاد وهم لم يشرفوا بقراءة شيء من نتاجه، ومن ثمَّ معرفة ما للرجل وما عليه. والله الأمرُ من قبل ومن بعد!! (2) - الوقائع التاريخيَّة تُخبرنا أنَّ موتَ ابن المقفع كان غيلةً بتدبير الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، ولم يكن على ملأ من الأشهاد، ولو أنَّ ابن المقفع كان ملحدًا زنديقًا لما لَجَأَ المنصور إلى هذه الطريقة في القتل، ولوجدنا ميتة ابن المقفع ميتةً يُجمع لها النَّاس، ويُحشد لها الحشود؛ كعادة فعل بعض الخلفاء المدَّعين - زورًا وبهتانا - غَيرَتَهم على الدين، وانتفاضهم للدفاع عن عرين المسلمين، ولكن شيئًا مما تقدَّم لم يحدث؛ ممَّا يلوّح بصورة عريضةٍ جدًّا تلفت وعينا إلى ضرورة الالتفات إلى الجانب السياسي المتمثل في نص الأمان الذي توجه به عم المنصور إلى المنصور بعدما فشل في انقلابه عليه، وهذا النَّصُّ السياسي قد يكون سببًا مهما في قتل ابن المقفع؛ نظراً لأنَّ ابن المقفع هو الذي تولى كتابته، وقد حوى ذلك النَّصُّ ألفاظًا محرجة للمنصور، فتغيظ عليه المنصور عند قراءته فقال: (فما أحد يكفينيه؟!)). (3) - اتهم ابن المقفع بتهمة مثيرة للضّحك ألا وهي معارضة القرآن، وما كان لنا رغبة في التَّعرُّض بالذكر لهذه الشنشنة الواهية لولا أنَّ البعض ردَّدها تَرَدادَ الصَّدى الحاكي لذاته من غير جديد، ومن يتأمل هذه المعارضة المنسوبة إلى ابن المقفع يُدرك تمامًا أنَّها لا يساويها سوى هَذيانِ سكير أو طَمطمةِ مطمطم، أو غَمغمة مغمغم؛ لذلك نجد العلامة الباقلاني يعلّق عليها قائلًا: وقد ادعى قوم أنَّ ابن المقفع عارض القرآن … وبعد، فليس يُوجد له كتابٌ يَدَّعي مدَّعٍ أَنَّه عارضَ
،
فيه القرآن، بل يزعمون أنَّه اشتغل بذلك مدَّةً ثُمَّ مزّق ما جَمَع، واستحيا لنفسه من إظهاره (2).
وبعيدًا عن التحليل الأسلوبي المقارن بين المعارضة المزعومة وبيان ابن المقفع الرفيع، فإنَّنا نلفت القارئ إلى ما هو أيسر وأظهرُ ونقول: لو أنَّ ابن المقفع عارض القرآن لطار الحسّادُ في عصره والشَّانئون بهذه التهمة المجلجلة فى الآفاق، ولتزلَّفوا بها إلى الخلفاء الأمويين أو العباسيين - من بعد - لقطع رأس هذا الضَّالِ المتزندق ولكن هذا لم يحدث! بل ولم يؤثر عمَّن
1 - محمد بن عبدوس الجهشياري، الوزراء والكتاب، ص 104. 2 - محمد بن الطيب الباقلاني إعجاز القرآن، ص (46 - 47).
78