مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٨٠مناجزة الإلحاد
له فيؤلف كتاب (الرَّد على اليهود، وكتاب (الرَّد على النَّصارى)؟! ومن العجب الذي لا ينقضي أن تجد من يحوّل المحامد إلى مذام والمحاسن إلى قبائح، فعوضا عن أن يكون كتاب ككتاب (الرد على النَّصارى) محمدةً تُذكر، ومنقبةً حقها أنْ تُظهر وتُشهر ينقلب الأمرُ ليكونَ الكتاب تهمةً على كاتبه تُوجِبُ عليه التَّرافِعَ ليَذُبَّ عن نفسه ويدفع عن سن قلمِهِ حوبَ الشَّناعة وشنارها!! وهؤلاء وأولئك جميعًا لا يصدقُ فيهم إلا قول البحتري حين قال:
إذا محاسني اللات
أدلُّ بها كانت ذنوبي فقل لي كيف فقل لي كيف أعتذرُ؟!
وقد أشار إلى هذا الأمر إبراهيم عوض في كتابه (مع الجاحظ في رسالته في الرد على
النَّصارى)؛ فليرجع إلى الكتاب المشار إليه من أراد التوسع والاستزادة).
(3) - كان الرجل مبتلئ بكثرة حاسديه، والحَسدُ مرضٌ، وقد أجاد من قال:
كل العداوات قد ترجى مودتها إلا عداوة من عاداك
والجاحظ لطالما شكى من هؤلاء، وأبلغ في تصوير معاناته منهم كما في قوله: "وإني ربما ألَّفْتُ الكتاب المحكم المتقن في الدين والفقهِ والرَّسائل والسيرة والخطب والخراج والأحكام وسائر فنونِ الحكمة وأنسبه إلى نفسي، فيتواطأ على الطَّعن فيه جماعة من أهل العلم بالحسدِ المركب فيهم وهم يعرفون براعته ونصاعتَه. وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفًا لملك معه المقدرة على التَّقديم والتَّأخير، والحطّ والرَّفع، والتَّرغيب والترهيب، فإنَّهم يهتاجون عند ذلك اهتياج الإبل المغتلمة. فإن أمكنتهم حيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السَّيّدِ الذي أُلف له فهو الذي قصدوه وأرادوه، وإن كان السَّيّد المؤلَّف فيه الكتاب نحرِيرًا نقابًا، ونقريسًا بَليغًا، وحَاذِقَا فَطِنَّا، وأعجزتُهم الحيلة، سرقوا معاني ذلك الكتاب وألفوا من أعراضه وحواشيه كتابًا وأَهْدَوْه إلى ملك آخر ومَتُوا إليه به، وهم قد ذموه وثلبُوه لَمَّا رَأَوْه منسوبًا إليَّ، وموسومًا بي. وربَّما ألفتُ الكتاب الذي هو دونَه في معانيه وألفاظه فأترجمه باسم غيري وأُحيله على من تقدَّمني عصره مثلُ ابن المقفع والخليل وسَلّم صاحب بيت الحكمة ويحيى بن خالد والعتابي
1 - ناقش هذه القضيَّة في كتابه المشار إليه أعلاه في الصفحات (6 - 13)، ولا شك أنَّ التحليل الموضوعي الذاتي للقارئ مهم؛ وذلك عبر قراءة الرسالة قراءة متأنية فاحصة، واستشفاف روح أ عثمان منها؛ وهذا أمر ميسور لا يحتاج إلى عظيم جهد لمن صح منه العزم، ونشير إلى أنَّ رسالة (الرَّد على النَّصارى) مطبوعةٌ ضمن كتاب (رسائل الجاحظ)، (ج 3/ 253)، فيمكن الرجوع إليها هناك.
80