مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٨١

المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته

ومن أشبه هؤلاء من مؤلفي الكتب، فيأتيني أولئك القومُ بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم من هذا الكتاب لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته عليَّ، ويكتبونه بخطوطهم، ويصيرونه إماما يقتدون به، ويتدارسونه بينهم، ويتأدبون به، ويستعملون ألفاظه ومعانيه في تُبِهِم وخطاباتهم، ويَروُونه عني لغيرهم من طلاب ذلك الجنس فتثبتُ لهم به رياسة، ويأتم بهم قوم فيه لأنَّه لم يترجم باسمي، ولم يُنسب إلى تأليفي. ولربما خرج الكتاب من تحت يدي مُحْصَفًا كأَنَّه متن حجرٍ أملس، بمعانٍ لطيفة محكمة، وألفاظ شريفة فصيحة، فأخاف عليه طعن الحاسدين إن أنا نسبته إلى نفسي، وأحسد عليه من أهم بنسبته إليه لجودة نظامه وحسنِ كلامِه، فأُظْهِرُه مُبْهَما غُفْلاً في أعراض أصول الكتب التي لا يُعرف وُضاعها، فينهالونَ عليه انهيالَ الرَّمْل، ويستبقونَ إلى قراءتِه سباق الخيل يومَ الحلبة إلى غايتها». (1) ومنه فلا بُدَّ من وضع مثل هذا في حسباننا ونحن نقرأُ رأي خصومه فيه، أو رأيه في خصومه. (4) - كان الجاحظ على مذهب المعتزلة، ولا يُقصرُ في التَّصريح بمذهبه واهتبالِ الفُرَضِ للذَّب عنه وعن رؤوسِهِ الكبار والمجالدةِ دونَهم، ونحن نعلم المعركة الحامية الضروس بينَ رؤوس المعتزلة وبين مخالفيهم، فهي معركة لم يقتصر فيها على استخدام الدويات والأقلام وفق عملية تدافعيَّةٍ فكريَّة، بل - للأسف - تعدَّتَها إلى استخدام منابر السياسة وشَبَاةِ الأسِنَّة، ومن هنا كان الحذر مطلبا مهما في إطلاق الأحكام، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالاتهام بالزندقة والإلحاد، ويُمكن أن يدخل في هذا النطاق أيضًا ما يُعرف بملاحاة الأقران، وقد وُفق للانتباه لمثل هذا مؤلّف كتاب أدب الجاحظ عند إحصائِه مؤلَّفاتِ الجاحظ حيث قال: "قال الباقلاني: وقد صنف الجاحظ في نظم القرآن كتابًا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى. وهذا كلام فيه عهدة لأنَّ الباقلاني يُريد أن يُعلن أنَّه

هو وحده الذي استطاع أن يبُزَّ المتقدمين في الاحتجاج لإعجاز القرآن (2) ونظمه (3). (5) - من يُطالع كُتب الجاحظ ورسائله كـ البيان والتبيين)، و (المحاسن والأضداد)، يلوح له بجلاء ذكره الله، وتنزيهه عن صفات النقص، والتَّنبيه إلى محاسنِ الثقة بالله، ومحاسن الزهد في الدنيا، وتطريزها بصلاته على النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وثنائه الجزل عليه، ويبرز للمطالع

1 - الجاحظ، رسائل الجاحظ، ص (376 - 377).

2 - ذلك لأنَّ أبا بكر الباقلاني قد ألف - بعد الجاحظ بأكثر من (83) سنة - كتابًا في إعجاز القرآن أسماه (إعجاز القرآن). - حسن السندوبي، أدب الجاحظ، ص 117.

??