مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٨٤مناجزة الإلحاد
سواء كان ألفها معتقدًا بها أو لأجل معارضة المعتزلة … إلا أنَّه مع نقضه لأكثرها وحكاية القول بتوبته منها لا يُمكن الجزم بإلحاده، ويبقى حاله في مرحلة الشك وإن جزمنا بخطئه، والله
العالم بسريرته
(1) se
والخلاصة: لم يثبت لدينا أنَّ الراوندي قد أنكر وجود الله، بل العكس هو الأقرب للصواب؛ جميع المذاهب التي انتقل منها وإليها كما يُقال - حتَّى تلك التي تقع خارج دائرة
ذلك لأنَّ
الإسلام - تُقِرُ بوجود الله وإن لم تكن كلها مذاهب توحيدية بطبيعتها (2)!! ونوجّه هنا حدقة الفكر إلى النظر في لُبُوب المفاهيم والمصطلحات التاريخية وعدم الاكتفاء بقشورها الظاهرة، فمصطلح (إنكار (الصَّانع) لا يتساوى مع مصطلح (إنكار الإله)، فقد كان بعض الفلاسفة والحكماء الإغريق يُنكرون وجود الخالق والصانع؛ باعتبار أنَّ الكون لا خالق ولا صانع له، فالكون - كما يعتقدون - أزلي لا يحتاج إلى خالقِ أو صانع، لكنهم في الوقت ذاته يؤمنون بوجود الإله لاعتبارات منطقية أخرى، ولا يجدون في أنفسهم حرجًا من التسليم بذلك، وقد انتقل اعتقادهم هذا إلى بعض الناس عبر خطوط الترجمة والخلطة والمجاورة، ولربما وُصِفَ هؤلاء المتأثرون بعوالق هذا المعتقد بأنهم يُنكرون وجود الخالق أو الصانع دون التَّحرُّز من أنَّ هذا الإنكار لا يعني عندهم إنكار وجود الإله!
ثمَّ إنَّ المتتبع لسيرة ابن الراوندي يلوح له بشكل جلي أن ليس للرجل في تقريره الحقائق الفكريَّة ونصرتها محبَّةٌ وجدانية؛ فالرّجل لا ينظر إلا من منظار المناكفة والمصلحة؛ وما هو إلا متكسب ابتزازي، قاعدته في تقرير معارفه وقناعاته ادفع أكثر أكن معك وأكتب في نصرتك)، وهذا بارز في لَعِبه على حبال التنقلات الفكريَّة، فمرَّة تجده معتزليَّا، ثمَّ يتحوّل ليُصبح شيعيًّا، ومع تحوله يكتب ما يبرز شيئًا من مكنونات نفسه الدافعة إلى تحوله، فتجده يكتب كتابات تفوح منها روحُ النقمة على مخالفيه - أي المعتزلة - ومع روح النقمة تلحظ التشويه المتعمد عليهم؛ فيجمع عليهم حشفًا وسوء كيلة! حتَّى إذا آيَسَ من الظَّفَرِ بِحَاجَاتِ نفسه عند من انتقل إليهم تجده عائِدًا من جديدٍ لمن هجرهم وسبهم، حتَّى إذا آيس منهم خرج من الإسلام بالكلية إلى اليهودية، وإذا به يرجف بشناعاته الهزيلة وغثائيَّاتِه ضد الإسلام وأهله، فيؤلف لليهود ما يظنُّ أنَّ فيه النكاية والزراية على الإسلام وأهله، وكل ذلك - بالطَّبع - ليس بالمجان! فألف لليهود
1 - السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، (204/ 3).
2 - من الجدير بالذكر أنَّ الكثيرين ممَّن ترجموا للراوندي يُصرّحون بأنَّه قد قام بنفسه بنقض الكثير من كتبه التي كتبها.
84