مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٨٦مناجزة الإلحاد
الله تعالى، بل هو يثبت هذه الحقيقة القاطعة، ومن طالع بعض كتبه يُدرك هذا الأمر جليًّا، لذا؛ فلا تعلق بعد هذا للملاحدة بهذا الرجل، ولا معنى لرغبتهم المحمومة في ضَمّه إلى صفوفهم، بل نجد
أنَّ من جُملةِ كُتُبه كتاب: (إِنَّ للعبد، خالقًا، فكيف ينسبه الملاحدة بعد ذلك إلى الإلحاد! (2) - نَسَب كثير من المستشرقين - ومن قلدهم في قولهم - إنكار النُّبوَّات والأديان إلى الرَّازي بناءً على كتاب أبي حاتم الرازي الإسماعيلي (أعلام) النُّبوَّة، وهنا تشير إلى أنَّ الورقة الأولى من مخطوط هذا الكتاب مفقودةً، ومن ثُمَّ فالمعيَّن بالرَّد لم يُنصَّ عليه، ويبقى تعيين المقصود بالرازي أقرب إلى الظَّن منه إلى القطعِ والحَشم، بل وإن ثبت أنَّ المقصود بالرد هو أبو بكر الرَّازي لم يصح لنا أن نُسارع إلى قذف الرَّجل خارج دائرة الإسلام؛ فالحكمة تقتضي التريث والتحقيق في صحة هذه الدعوى ما استطعنا إلى ذلك سبيلا؛ فلطالما كانت الخلافات الفكرية سببًا لرمي فرق خارج دائرة الإسلام بله الأشخاص، ولطالما كان للسياسة دور مهم في نشر وباء التكفير لمقاصد سياسيَّةٍ دنيئة، أضف إليه الحَرَدَ الذي تمتلئ به صدور المناوئين المخالفين؛ مما يدفعهم إلى النظر في مصنفات مخالفيهم بعين الشخط والاتهام؛ ممَّا يجعلهم يحملون نصوص مخالفيهم على أسوأ المقاصد وأبشعها، بل قد يصل الأمر إلى الدس على المخالف ما لا علم له به ممَّا لم تره عينه، ولم يجرِ به سِنُّ قلمِهِ، ونحلُ المؤلفات وإلصاقها بغير أصحابها كثير جدا يُدركه من نَظَرَ في تاريخ المعرفة؛ وتلك كلُّها - مع أسباب أخرى لا نطيل المقام بذكرها الآن - أسباب فاعلة في رمي أناس بما لم يقولوه، ومنه رميهم بالانحلال أو الزندقة والإلحاد، لذلك؛ وجب علينا التريث فخمير الرَّأي - في مثل هذه المواضع - خير من فطيره. (3) - نُسِبَت إلى الطَّبيب الرَّازي كُتُب ادعي عليه بها أنَّه أنكر النُّبوَّة، منها كتاب: (مخاريق الأنبياء)، وهذا الكتاب نجد تذبذبًا كبيرًا في تسميته، وقد ذكر ابن أبي أصيبعة الكتاب عند تعرضه لذكر مؤلفات الرازي بعنوان: (فيما يرومه من إظهار ما يُدعى من عيوب الأولياء)، ثمَّ أعقبه بقوله: "أقول وهذا الكتاب إن كان قد أُلّف - والله أعلم - فربَّما أن بعض الأشرار المعادين للرازي قد ألَّفَه ونَسَبه إليه، ليسيء - من يرى ذلك الكتاب أو يسمعُ به - الظَّنَّ بالرازي، وإلا فالرازي أجلّ من أن يحاول هذا الأمر، وأن يُصنّف في هذا المعنى … ). وكما هو جلي من النّصّ أعلاه أن ابن أبي أصيبعة لم يطلع على الكتاب، وإنَّما ذكره في معرض ذكر كتب الرازي وما نُسب إليه، لذلك علق بقوله: "إن كان قد أُلّف». ويبقى أن هذا الكتاب مفقود - أو بالأحرى
1 - ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، ص 426.
17