مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٨٧

المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته

لا وجود له حتَّى وقت هذه الكتابة - ومن ثُمَّ لا سبيل للوصول إليه والتأكد تاليا من هذه الدعوى المنسوبة إلى الرَّازي، وفي العموم، ليس بين أيدينا من كُتُب الرّازي ما يثبت هذه التهمة، وأقوى ما استندت إليه لسانُ المدعين بقايا قِطَع يُزعم أنَّها بقايا من كُتبه المفقودة! وما دام حديثنا هنا عن الكتب (الكفريَّة) المنسوبة إلى الرَّازي، وبالتحديد كتاب: مخاريق الأنبياء)، وكتاب: (حيل المتنبئين) فإنَّنا نُلفت نظر القارئ الكريم إلى أنَّنا وجدنا نصًا للرازي نفسه في رسالته إلى أحد تلامذته والتي تحمل عنوان (أخلاق الطبيب) يقول فيه: "ولم ينجع كلامي معهم، إِنَّ مَن وصفهم غير مدرك لهذه الصناعة - أي صناعة الطب - لما قد تمكن في نفوسهم من مخاريق الهرابين، وحيل الممخرقين». ومحلُّ لفت النظر إلى هذا النَّص هو في استخدام الرازي لمفردتي (مخاريق) و (حيل) واصفًا بهما من أسماهم بكهنة الطب وأدعيائه، وفي هذا ما قد يُشير إلى أنَّ بعض خصوم الرازي المترصدين والمغرضين لربما أخذوا من هذا النَّص مفردتَن (مخاريق) و (حِيَل) ولفّقوا على ضوئهما عنوانين لا وجود لمصداقيهما واقعا، وهما: (مخاريق الأنبياء)، و (جيل المتنبئين)!! فكيف يَسوعُ بعد هذا التَّسرُّع في رمي الرجل بالكفر وإنكار النُّبوَّات؛ لذا وجب أن يكون على الأصل - وهو الإيمان - حتَّى تثبت الإدانة.

(4) - نجد من العلماء من أثنى على الرَّازي، ومن هؤلاء الذهبي) في كتابه: (سير أعلام النبلاء) حيث قال في ترجمته: "الأستاذ الفيلسوف أبو بكر، محمد بن زكريا الرازي الطبيب، صاحب التّصانيف من أذكياء أهل زمانه وكان كثير الأسفار وافر الحرمة، صاحب مروءة وإيثار ورأفة بالمرضى، وكان واسع المعرفة مكبا على الاشتغال مليح التأليف، وكان في بصره رطوبةٌ لكثرة أكله الباقلي، ثمَّ عَمِي. أخذ عن البلخي الفيلسوف، وكان إليه تدبير بيمارستان الرّي، ثم كان على بيمارستان بغداد في دولة المكتفي بلغ الغاية في علوم الأوائل … » (3). هذا؛ وقد دافع الدكتور عبداللطيف محمد العبد (4) عن الرازي في مقدمة تحقيقه لكتاب

1 - محمد بن زكريا الرازي، أخلاق الطبيب، ص 92.

(4)

2 - محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، (673 - 748/ 1274 - 1348 م) يُعدُّ من كبار علماء الحديث، جمع بين العلم الواسع بالجرح والتعديل والإحاطة الواسعة بالتاريخ من حيث حوادثه وأخبار رجاله، أشهر مصنفاته كانت في الحديث وأسماء الرجال؛ مثل: (سير أعلام النبلاء)، و (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام). 3 - الذهبي، سير أعلام النبلاء، (14/ 354 - 355). 4 - هو من المهتمين بمؤلفات الرازي، درس الجانب الفلسفي لدى الرازي في رسالة الدكتوراة التي حملت عنوان (فلسفة أبي بكر محمد بن زكرياء الرازي)، من قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة عام 1975 م.

87