مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٩١المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
(6) - النقد الداخلي لما وصل إلينا من نُتَفٍ زُعم فيها أنَّها مناظرة بين أبي بكر الرازي الفيلسوف الطبيب وأبي حاتم الرازي تُظهر أمورًا عدَّةً ينبغي التدقيق فيها: (أ) - ظهور ردود أبي بكر الرازي في غاية السطحيَّةِ والسَّذاجة وسرعة الانقطاع أمام الخصم؛ ممَّا لا يتناسب مع أبي بكر الرازي ومكانته العلميَّة وصيته الذائع الذي جعل له طلابا يقصدونه للنهل ممَّا لديه من معارف.
جمع
عنه:
(ب) - ظهور أبي بكر الرازي في مظهر السبَّابِ الشتَّامِ المتكبر المغرور المستنكف عن قبول الحجة، وهذا متناقض متعارض متشاكس مع ما وصف به الإمام الذهبي هذا الرجل، ووصفه به غيرُه ممَّن ترجم له، ويتناقض مع ما وصَلَنا من تُتَفٍ من رسائله الفلسفية مما يكشف شيئًا من حاله المتواضعة وزهده فيما في أيدي النَّاس، ومن ذلك ما نُقل فأما الرياضيات فإنّي مقرّ بأنّي إنَّما لاحظتها ملاحظةً بقدر ما لم يكن لي منها بد، ولم أُفنِ زماني في التَّمهر بها بالقصد منّي ذلك؛ لا للعجز عنه. ومن شاء أوضحت له عذري في ذلك … فإنّي لم أصحب السلطان صحبة حامل للسلاح ولا متول أعماله، ولا ظهر مني على شَرَه في المال وسَرَفٍ فيه، ولا على منازعات النَّاس ومخاصماتهم وظلمهم، بل المعلوم منّي ضد ذلك كله، والتَّجافي عن كثير من حقوقي. وأما حالتي في مطعمي ومشربي ولهوي فقد يعلم من يُكثر مشاهدة ذلك مني أنَّي لم أتعدَّ إلى طرف الإفراط وكذلك في سائر أحوالي مما يشاهده هذا من ملبس أو مركوب أو خادم أو جارية … وهَبْ أنَّي تساهلت عليهم وأقررت بالتقصير في الجزء العملي، فما عسى أن يقولوا في الجزء العلمي؟ فإن كانوا استنقصوني فيه فليقولوا إلى ما يقولونه في ذلك لننظر فيه ونذعن - من بعد - بحقهم أو نرُدَّ عليهم غَلَطَهم، فإن كانوا لا يستنقصونني في الجزء العملي فأولى الأشياء أن ينتفعوا بعلمي ولا يلتفتوا إلى سيرتي. (7) - بعض المقتطفات المنسوبة إلى الرَّازي تُثير تساؤلات عدة، وتفتح أبواب فكر المرء على مصاريعها حاثة إياه على التَّروّي في الحكم على الرَّجل فيما أُشيع عنه فيما يخص موضوع النُّبوَّة والأديان، ومن ذلك قوله في خاتمة السيرة الفلسفية:
(1) ce
1 - محمد بن زكريا الرازي رسائل فلسفية، ص (109 - 111).
91