مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٩٢مناجزة الإلحاد
أهله
فهذا ما أردنا أن نُودِعَ في هذه المقالة، ولواهب العقل الحمد بلا نهاية كما هو ومستحقه)، وصلَّى الله على المصطفينَ مِن عباده (3) والخيرات من إمائه (3). فممَّا يُلحظ في هذا النَّص أنَّه متضمن لمصطلحات دينية قرآنية! فصلاة الله على عباده رحمته لهم، وهذا مما جاءت به نصوص الوحي الشريف، يقول تعالى جده: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (الأحزاب: 43). ويقول: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلَّمُوا تَسْلِيمًا (الأحزاب: 56). وأما فيما يخص لفظة الاصطفاء فالله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (آل عمران: (33). وهل النبوات والرسالات - التي يُدعى أن الرّازي أنكَرَها - إلا اصطفاء واجتباء، وانتقاء، فكيف يفوت هذا الفيلسوف الممجد الله مثل هذا؟! بل نستطيع القول إنَّ عبارة الرازي أعلاه تتطابق في معناها ومبناها مع قول الحق تعالى حين يقول وهو أصدق القائلين: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل: (59). وهذا دليل على تأثر الرّازي بكلماتِ اللهِ المنقولة إلينا عبر الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي يزعم الزَّاعمون أنَّ الرَّازي كافر به!!
-
بل إنَّنا نستطيع القول إنَّ بعض المقتطفات هي نص في محل النزاع تُرجح كفة القول بإيمانِ
1 - نرى تكرار هذه العبارة بنصها في خاتمة رسالته أخلاق الطبيب، ص 95). وليس بغريب أن نقول أَنَّ حمد الله وذكرَه والثناءَ عليه سمة من السمات البارزة في كتب الرازي، ونجده - في مجمل ما وقع بين أيدينا من كتبه - يفتتح كتبه ويختتمها بحمد الله والثناء عليه، بل لربما وجدناه على هذا المنوال في ابتدائه لبعض الأبواب الداخلية لكتبه كما في قوله في (سر صناعة الطب، ص 153): "قال أبو بكر: الصبر نعمة من ا الله جزيله، فله الحمد على ما تمه من صون هذه العلوم، وحفظها على العوام على مدار العمر والأيام بعيدا عن غباوة الناقلين، والضَّانّين بها، وقطع من وصل إليه شيء منها طريقها عن ما يليه، وجعلها لأهله وذويه بمستودع. إليه الشكر والحمد ونستجلب منه المزيد؛ فهو الغني الجواد، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم". ومن السمات البارزة - كذلك - أنَّه كثيرًا ما يختم ذكر وصفاته الطبية مقيدة بإرادة الله؛ ففي كتابه (سر صناعة الطب) ورد قوله (إن شاء الله تعالى) 5 مرات كما في ا الصفحات (112، 117، 120، 126، 127)، وورد قوله (إن شاء الله) 3 مرات كما في الصفحات (ص 116، 121، 149)، وورد قوله (بإذن الله تعالى) مرة واحدة ص 119، وورد قوله (بإذن الله مرة واحدة ص 117، وورد قوله بعون الله) مرة واحدة ص 117، مع الانتباه إلى أن الكتاب يقع في قرابة (72) صفحة فقط، والكتاب في أساس وضعه إنَّما كان في صنعة الطب، ومثل هذه الكتب - عادة - لا تكثر من مثل هذه المصطلحات؛ نظرا لطبيعتها المحتاجة إلى الإشارة السريعة بأقرب لفظ موجز موصل للمعلومة، ولكنَّ الرازي أبى إلا أن يضمّخ كـ كتابه بعبير ذكر الله. (ينظر: محمد بن زكريا الرازي، سر صناعة الطب). 2 - وبهذه الصلاة يقطع الرازي الطريق على متهميه بإنكار النُّبوة والأنبياء ومن ذلك ما نجده في افتتاحية كتابه (سر الأسرار) حيث يفتتحه بقوله: "قال محمد بن زكريا الرازي الحمد لله حمدًا يُوازي، أنعامه، ويُضاهي أفضاله، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين أفضل صلواته وأزكى تحيَّاتِه، وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا .....
3 - محمد بن زكريا الرازي، رسائل فلسفية، ص 111.
92