مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٩٥المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
إيمانًا وأصبرهم على البلاء، لا تلبث شكوكه بعد أن تثور حتّى تغور، وتنته ابتداء إلى أنَّ إلحاد المعري - عند من قال به - يُقصد به الإلحاد الذي دَرَجَ العلماء على إطلاقه في مصنفاتهم، وهو مطلقُ الميل والانحراف، وهو بهذا يشمل الملحد المنكر لوجود الله ويشمل الربوبي، بل يشمل الفاسق المعترف بوجود الله المؤمنَ بالرسالات المنحرف عن تطبيق مضمونها، لذا؛ فلا وجه للملاحدة في قولهم بإلحادِ المعري، وما نسبتهم إياه إلى الإلحاد إلا جهل منهم بطبيعة المصطلحات في التُّراث الإسلامي، أو غَرَضٌ منهم وسوء قصد، هذا إن سُلّم لهم بإلحادِ شيخ المعرَّة. هذا، ونجد اتجاها ثالثًا ضمَّ لفيفا من المؤرّخين ومحققي تاريخ الأدب ممَّن نافح عن شيخ المعرَّة، ودَفَعَ عنه الرّيب والتهم، ونحنُ مع هؤلاء فيما رأوه، ومعيَّتُنا لهم هي مَعيَّة حُجَّةٍ وبرهان، وإليكم البيان:
(1) ردَّ المعري على من اتهمه بالزَّيغ والإلحاد في كتابه (زَجْرُ النَّابِح)، ووصف متهمه بالمتحامل والمُبطل بل وصل إلى وصفه بالملحد!! ووصَفَه بتعمد التلاعب بأشعاره وتعمد التمويه فيها؛ حيث قال (2): "أفما يستحي المتحاملُ أن يأتي بمثل هذه التمويهات الباطلة ويُلبّس بها على جماعةٍ مغترة؛ ليتوَصَّل إلى أذَاةِ مَن لم يتقدَّم إليه منه مضرَّةُ ما يكره ولا يشين، وقد وصل البيت الذي ذَكَرَ؛ حرصًا على التَّشنيع ورغبةً في تضريب العامة - أي إغراؤها - على معنى التأريش - أي الإفساد والتَّحريش - ببيت ليس هو في الأبيات … (3) ونحن لا ندري مـ
،
سبب الإصرار على رمي الرَّجلِ بالزَّندقة والإلحاد وكتابه متقدّمُ الذكرِ مملوء بتمجيد الله،
(4)
ما
و
الله!
الصَّلاةِ والسَّلام على رسول الله، والاستدلال على وجوبِ سمعه وطاعته بآيات من كتاب يقولُ المعري: "وهذا القولُ (4) مستنبط من الكتاب العزيز والحديثِ، لقولِهِ تعالى: {مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا
1 - يُنظر: نديم الجسر، قصة الإيمان، ص (113 - 119). 2 - قال هذا في معرض رده على من لم يفهم معنى قوله:
جد فديت كف بخمس مئ من. ما بالها قطعت في نصف دينار!
- أبو العلاء المعري، زجر النابح، ص (150 - 151).
4 - ذكر هذا عند تعرضه لبيان معنى قوله: كف بخمس
من عسجد
فديت
ما بالها قطعت في نصف دينار!
تَناقُضُ مَا لَنا إلا السكوتُ له
وأن نعوذ بمولانا من النار
95