مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٩٨

مناجزة الإلحاد

(1)

وإِنْ عَلِمتَ مَالَي عِندَ آخِرَتي شرًا وأضيق فانسأربٍ في الأَجَلِ كما نجد المعري نفسه يُصرّح في رسالة الغفران بأنَّه قد هم بالانتحار ذات يوم، فلم يمنعه عنه إلا خوفُ الله؛ حيث يقول: "قد كدتُ ألحق برهط العدم، من غير الأسف ولا النَّدم، ولكنَّما أرهب قدومي على الجبار .... كذلك نجد أنَّ المعري يدعو الله لابن القارح بالأجر، لا لشيءٍ سوى أنَّ هذا الأخير كان غُصَّةً ناشبةً في حلوق الزنادقة والملحدين؛ حيث يقول المعري: "وأما غيظه - أي ابن القارح - على الزنادقة والملحدين فأجرُه على الله، كما أَجَرَهُ على الظمأ في طريق مكة، واصطلاء الشمس بعرفة ومبيته بالمزدلفة، ولا ريب أنه ابتهل إلى الله سبحانه … » (2). فكيف يُحشَرُ في زمرة الزنادقة والملاحدة من كان هذا حال لسانه، ولسان حاله!! لذلك؛ فلا عَجَبَ أن نجد من دافع عن رهينِ المحبسين نافيًا عنه هذه التهمة، وكفَّة هؤلاء هي الرَّاجِحَةُ في ميزان العلم، ومن جُملةِ هؤلاءِ مُؤرّخُ الشَّام العلامة ابنُ العُدَيم، وقد أَلَّفَ كتابَ (الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتَّجري عن أبي العلاء المعري)، ذب فيه عن أبي العلاء ونافح عنه، ووصف متهميه بالإلحادِ بأنَّهم لَم يَعوا وعيه، وحَسَدُوهُ إِذْ لَم يَنالُوا سَعِيَه، حيثُ قَالَ:

1 - أبو العلاء المعري، رسالة الغفران، ص 395. 2 - أبو العلاء المعري، رسالة الغفران، ص 428.

3 - عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة (588 هـ - 660 هـ) من مؤرخي القرن السابع الهجري، كان فقيها ومحدثًا وشاعرًا، وهو من بيت أبي جرادة، بيت مشهور من أهل حلب، يتوارثون الفضل كابرًا عن كابر. (ينظر: ياقوت الحموي، معجم الأدباء،

(01 - 0/ 17

4 - ألَّفه ابنُ أَبي جَرادة (ابن العديم) دِفاعًا عن أبي العلاء حيثُ قال فيه: "وقد وضع أبو العلاء كتابًا وَسَمَه بـ (زجر النابح)، وأبطل في طعن المزري عليه والقادِح، وبيَّن فيه عذرَهُ الصَّحيحَ وإيمانه الصَّريحَ وَوَجْهَ كلامه، الفصيح، ثمَّ أتبع ذلك بكتاب وسمه بـ (نجر الزجر) بيَّن فيه مواضعَ طَعنوا بها عليه بيانَ الفُجر، فلم يمنعهم زجرُه ولا اتَّضح لهم عُذرُه، بل تحقَّقَ عندهم كفره واجترؤوا على ذلك وداموا، وعنفوا من انتصر له ولاموا، وقعدوا في أمره وقاموا، فلم يرعوا له حرمة، ولا أكرموا عِلمه، ولا راقبوا إِلَّا ولا ذمة، حتَّى حكموا بكفرِهِ بالأسانيد وشدَّدوا في ذلك غايةَ التَّشديد، وكفَّره من جاءَ بعدهم بالتقليد، فابتَدَرتُ دونَه مُناضِلًا، وانتصبتُ عنه مُجادِلًا، وانتدبتُ لمحاسنه نَاقِلًا، وذكرتُ في هذا الكتابِ مولده ونسبه، وتحصيله العلم وطلبه، ودينه الصَّحيحَ ومذهبه، وورعه الشديد وزهده، واجتهاده القوي وجده، وطعن القادح فيه ورده، ودفع الظلم عنه وصده، وسميته (كتاب الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتَّجري عن أبي العلاء المعري) أ. هـ هذا؛ ونود الإشارة إلى أنَّ الكتاب لم يطبع مستقلا فيما نعلم، وقد طبعته لجنةُ إحياء آثار أبي العلاء في مصر - بعدما استعارته من المجمع العلمي العربي بدمشق - ضمن كتاب (تعريف القدماء بأبي العلاء) وذلك عام (1363 هـ - 1944 م)، وقد نقلنا مقصودنا من الكتاب نقلًا عن كتاب (إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء) للشيخ محمد راغب الطباخ الحلبي؛ حيث أنَّه ضمَّن الكتاب في ترجمته لأبي العلاء المعري، ويبدو أنَّ الكتاب غير مكتمل؛ وهذا ما توحي به عبارة الشيخ محمد الطباخ حيثُ قال: "ولعل نشرنا الكتاب يدعو بعض ذوي الهمم للبحث والتنقيب عن نسخة تامة منه فيسعى بطبعه على حِدَة“.

98