مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٩٩

المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته

"وبعد، فإني وقفتُ على جملة من مصنفاتِ عالم معرَّة النعمان، أبي العلاء أحمد بن عبدالله بن سليمان، فوجدتُها مشحونةً بالفصاحة والبيان، مُودَعةً فنونًا من الفوائدِ الحِسان، محتويةً على أنواع الآداب، مشتملة من علوم العرب على الخالص واللباب؛ لا يجد الطَّامحُ فيها سقطة، ولا يُدرِك الكاشحُ فيها غَلطة. ولمَّا كانت مختصَّةً بهذه الأوصاف، مميَّزةً على غيرها عند أهل الإنصاف، قَصَدَه جَماعةٌ لم يعُوا وعيه وحسدوه إذ لم ينالوا سعيه، فتتبعوا كُتُبه على وجهِ

الانتقاد، ووجدوها خاليةً من الزيغ والفَسَاد؛ فحين علموا سلامتها من العيب والشَّين، سلكوا فيها معه مسلك الكذب والمَيْن، ورموه بالإلحادِ والتَّعطيل، والعدول عن سواء السبيل. فمنهم من وضع على لسانِهِ أقوال المُلحِدَة، ومنهم مَن حَمَلَ كلامه على غير المعنى الذي قصده، فجعلوا مَحاسِنَه عُيوبًا، وحسناتِه ذنوبا، وعقله حُمقًا، وزُهده فسقًا؛ ورشقوه بأليم السهام، وأخرجُوه عن الدين والإسلام وحرَّفوا كلمه عن مواضعه وأوقعوه في غير مواقعه. ولو نَظَرَ الطَّاعِنُ كلامه بعينِ الرضا، وأغمد سيفَ الحَسَدِ مَنْ عليه انتضى؛ لأوسعَ له صدرًا وَشَرَح، واستحسنَ ما دَمَّ وَمَدَح. لكن جرى الزَّمن على عاداته، في مطالبته أهل الفضل بتراته وقصدهم بإساءاته، فسلط عليهم أبناءه، وجعلهم أعداءه، فقصدوه بالطَّعن والإساءَة. واللبيب مقصود، والأديب عن بلوغ الغَرَضِ مصدود، وكلُّ ذي نِعمَةٍ محسود. ومن سلك في الفَصاحةِ مسلكه، وأدرك من أنواع العلوم ما أدركه، وقصد في كُتُبِهِ الغريب، وأودعها كل معنى غريب، كان للطاعن سبيل إلى عكس معانيه وقلبها، وتحريفها عن وجوهها المقصودة وسلبها. ألا ترى إلى كتاب الله العزيز، المحتوي على المنع والتجويز، الذي لا يقبلُ التَّبديل في شيءٍ من صُحفه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كيف أحال جماعةٌ من أرباب باطل الأقاويل تأويله على غير وجوه التأويل، فصرفوا تأويله إلى ما أرادوا، فما أحسنوا في ذلك ولا أجادوا! حتَّى إنَّ جماعةً من الكفَّار، وأربابَ الزَّلل والعثار، تمسكوا منه، بآيات جعلوها دليلًا على ما ذهبوا إليه من الضَّلالات. فما ظنك بكلام رجل من البشر، ليس بمعصومِ إنْ زَلَّ أو عثر، وقد تعمَّق في فصيح الكلام، وأتى من اللغات بما لا يتيسر لغيرِهِ ولا يُرام، وأودعها في كلامِهِ أحسن إيداع، وأبرزها في النظم البديع والأسجاع، إذا | قصده بعضُ الحشاد، فحمل كلامه على غير المراد (1)

وقد جاء ابن العديم في كتابه هذا بما لا مزيدَ عليه؛ فليرجع إليه من أراده، وقد ترجم له -

1 - محمد راغب الطباخ إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، (4/ 79 - 80).

99