اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ١٥يعرض جميل عيسى الملائكة همًّا آخر يصيب العربيّة، مصدره المتعلّمون، غير المحصّنين بلغتهم، غير العارفين لحقيقتها، الذين ينبهرون بحضارة البلدان التي يقيمون فيها، وهم في ريعان الشّباب: " غير أنّ ممّا يؤسف له أنّ نفرًا من الذين يبتعدون عن هذه البلاد ردحًا من الزّمن للدّراسة، وهم ما زالوا في غضارة الشّباب، تبهرهم حضارة البلاد التي يزورونها، ويتعلّمون لغاتها ويأخذون من علومها، في حين لم تكن تهيّأت لهم قبل ذلك فرصة إتقان العربيّة، وممارستها في العمل العلمي المتخصّص، وإذا بهم يعتقدون بقصور العربيّة عن مجاراة العلوم. وما القصور إلاّ فيهم، فما أحوج أمثال هؤلاء إلى هدايتهم بصقل معرفتهم بالعربيّة في دورات وحلقات دراسيّة مركّزة لإعادة ثقتهم بها. "(1)
إنّ القصور كامنٌ في هؤلاء الطّلبة الدّارسين في البلدان الأجنبيّة، وليس في لغتهم الأمّ. إنّ هؤلاء هم خطر على اللّغة العربيّة؛ لأنّهم الطّبقة التي قد يراهم بعض النّاس حجّة فيما يقولون، إذ هم يتحدّثون عن دراية علميّة متخصّصة، وتجربة واقعيّة مُمارسَة، وبدافع الحاجة إلى ما يعينهم على بناء صرحهم العلمي. لذا لابدّ من أخذ تصرّفاتهم بعين الاعتبار، وعدّ ما يقولون أحسن الأفكار … هذا ما قد يعتقده بسطاء النّاس، وغير الملقّحين بلقاح الأصول والقواعد الصّحيحة، فيكون ذلك وبالا ووباء على اللّغة العربيّة.
مع ذلك يجب البحث عن الأسباب التي أدّت بأولئك المتعلّمين إلى اتّخاذ تلك المواقف السّلبيّة من لغتهم الأصليّة. وعلى القائمين على التّوجيه والتّربية تحمّل مسؤوليّة عدم توفير القواعد التي ينطلقون منها في إتقان اللّغة العربيّة في أثناء دراستهم قبل التّخصص، بل تعليمهم اللّغة العربيّة العلميّة، التي تخدم تخصّصاتهم. ثمّ مواصلة رعايتهم بالتّقرّب إليهم، وإحاطتهم بسياج من الحماية الفكريّة والثّقافيّة والنّفسيّة، ومنع الاستلاب والتّبعيّة عن حياتهم العلميّة.
يقول صالح الخرفي: " إنّ الاعتراف الدّولي باللّغة العربيّة لغة رسميّة في منظّماته ومحافله محلّ عبرة واعتبار، عندما تضعف العصبيّة القوميّة عند بعض أبناء هذه اللّغة، فيطلبون بديلاً لها في لغات أجنبيّة. وأنّ هذا الفتور إزاء أحد المقوّمات الأساسيّة للذّاتيّة ناتج عن استلاب ثقافي وفراغ حضاري، مردّهما ضعف التّكوين الشّخصي في التّربية العربيّة الحديثة. الأمر الذي ينتج عنه سرعة الانبهار بالحضارة الغربيّة الحديثة، التي غالبًا ما تحتضن طلاّب الدّراسات العليا من أبناء العروبة والإسلام."(2)
هناك خطر آخر يهدّد العربيّة في عقر دارها، ومن أبنائها المنهزمين نفسيًّا، القاصرين عن فهم لغتهم واستيعاب مضمونها، وتشرّب جماليّاتها وفنّياتها، والوقوف على مكانتها وقيمتها ودورها في الحياة الفكريّة العالميّة. هذه الهواجس وهذه الأفكار وهذه التّصرّفات سكنتهم وداخلتهم؛ نتيجة الخوف من العولمة التي غزت ديارهم وأهليهم، ومسّت قلوبهم الواجفة، وعقولهم الممسوسة … فصدّقوا ما قيل لهم، وطبّقوا ما أُملِي عليهم، ونفَّذوا ما أُمروا به، فقالوا وردّدوا وروّجوا ولوّحوا أنّ اللّغة العربيّة عاجزة عن استيعاب العلوم المعاصرة، وغير قادرة على مواكبة تطوّرات العصر المتساوقة المتلاحقة، فنبذوا لغتهم ظهريًّا، وقلبوا لها ظهر المجنّ، وسافروا وشرّقوا وغرّبوا وغرّدوا خارج سربهم، وتغنّوا بغير ألحانهم، فكانت اللّغة العربيّة (الأمّ) هي الضّحية، إذ أصبحت عندهم من سقط المتاع الذي لا يصلح لشيء. تقول مها خيربك ناصر: "بعث الخوف من العولمة في الذّات العربيّة المعاصرة شعورًا بالإحباط؛ نتيجة تنحّي المفكّر