اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ١٦

العربي عن حلبة الصّراع، وقبوله حالة التّلقّي، وتعليل عجزه باتّهام اللّغة العربيّة بالقصور عن استيعاب ماهية العلوم المعاصرة، فتظهرنا العولمة بخوفنا منها عاجزين، ونبرّر عجزنا العلمي بقصور اللّغة العربيّة عن استيعاب العلوم، وعن أنماط الثّقافة الحضاريّة المعاصرة، ونجرّد اللّغة من قدرتها على تدوين المعارف، ومن سماتها التّوليديّة التّخصيبيّة، بسبب عدم ثقتنا بانتمائنا، ونصوّرها قاصرة عن استيعاب المنتَج العلمي والثّقافي والحضاري. "(1)

هذه النّظرة السّيّئة إلى اللّغة العربيّة، وهذا الشّعور السّلبي نحوها، يدفعان بهؤلاء المهزوزين في شخصيّتهم إلى البحث عن وسائلَ للتّقدّم والتّطوّر بعيدًا عن لغتهم؛ إذ الوقوف في نقطة معيّنة، أو محطّة محدّدة، ترفضها الحياةُ، وتأباها الفطرة. فلا يجد هؤلاء إلاّ اللّغات الأجنبيّة ملاذًا وموئلاً لهم للخروج من حالة الجمود والهمود، فيركبون متونها وصهواتها لتنقلهم إلى عوالم فكريّة غيرِ التي تتّصل بهم، وتقيم كيانهم الحقيقي، وتحطّ بهم في محطّات، لا تتّصل إليهم بسبب. يقول الدّكتور علي الشّابي: " لقد علّمنا التّاريخ والواقع أنّ تقدّم الأمّة العربيّة بالنّظر إلى بنيتها اللّغويّة والرّوحيّة والتّراثيّة هو رهين اعتمادها على لغتها التي هي حسب تعبير " Louis Massignon " عامل أساسي لنشر السّلام في العالم، وأداة صالحة لنقل اكتشافات الفكر بين الدّول(2). كما علّمنا تاريخنا المعاصر أنّ السّعي إلى التّقدّم باعتماد اللّغات الأجنبيّة، بدل اللّغة العربيّة، لا يعدو أن يكون ركضًا وراء السّراب، وترسيخًا لقيمة الاستهلاك والاستلاب الفكري، وتكريسًا للتّبعيّة الثّقافيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة."(3)

إنّ الاستمرار في هذا النّهج، بهذا التّفكير، سيعجّل بموت اللّغة العربيّة، وبموتها تذوب الهويّة العربيّة والإسلاميّة، وتلك هي البليّة العظمى، بل الطّامّة الكبرى التي تنزل صاعقة على الأمّة الإسلاميّة. إذن لابدّ من أخذ هذه القضيّة بالجدّيّة الكاملة، لإنقاذ الأصالة، والإفادة من العصرنة، والمحافظة على الأصول، والتّفاعل مع الثّقافات الأخرى. تقول مها خير بك ناصر: " ستفرض العولمة انتشار اللّغة الإنكليزيّة، حتّى بين الطّبقات الشّعبيّة، ولكن الخوف ليس من انتشار هذه اللّغة بين الخاصّة والعامّة، وإنّما المشكلة تكمن في ازدراء أبناء العربيّة للغتهم؛ لأنّهم بذلك يعملون على موتها، وبموت اللّغة القوميّة تتلاشى الهويّة الوطنيّة. فكم من شعوب انقرضت بانقراض لغتهم. ولا أبالغ إذا قلت: إنّ معظم الشّعوب اليهوديّة لا تتخلّى عن لغتها العبريّة، التي تشكّل الجامع المشترك لهم في أصقاع الأرض جميعها. والشّعب الأرميني حافظ على خصائصه القوميّة باحترامه للغته القوميّة، واتّخاذها أداةَ تواصل فكري، ووجداني وقومي؛ لأنّ اللّغة توحّد المجموعات المتباعدة جغرافيًا، وتشعر الفرد بانتمائه الفكري والوجداني إلى بني قومه، وتعزّز الرّوابط."(4)

هناك عمل كبير منوطٌ على عاتق القابعين في سدّات المسؤوليّة، مهما تكن هذه المسؤوليّة، وعلى القائمين على وضع خطط توجيه الأمّة، وعلى الماسكين بزمام إدارة شؤونها … على هؤلاء عبء ثقيل، وجهد جهيد في توفير ما

(1) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 311.

(2) - يراجع تقويم (لوي ماسينيون)، كتاب: " ماكس فانتاجو (المعجزة العربيّة)، تعريب " رمضان لاوند "، بيروت، 195م، ص: 6.

(3) - الدّكتور علي الشّابي، " اللّغة العربيّة لغة القرآن ورسالة الإسلام "، ينظر كتاب من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 65.

(4) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16. عن التّحدّيات التي تواجه الثّقافة والقوميّة والمقوّمات والسّيادة عن طريق شبح العولمة أو غول العولمة، يراجع على سبيل المثال، كتاب العولمة والتّحدّي الثّقافي، للدّكتور باسم عليّ خريسان، نشر دار الفكر العربي، 2001م، بيروت. وكتاب عولمة السّيادة حال الأمّة العربية، للدّكتور حسن البزّاز، نشر المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع، بيروت، 1422هـ/ 2002م.

١٥ / ٩١