اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ١٧

يساعد على الحفاظ على الهويّة؛ بواسطة رَبْطِ النّاس بمقوّمات شخصيّتهم، وعلى رأسها اللّغة العربيّة، وجَعْلِهِم يتعلّقون بها، ويمارسون بها حياتهم، فتبقى حيّة، تتحرّك في الفضاءات وتتطوّر. يقول شكري فيصل: " إنّ العمل على اكتساب العربيّة في مواطنها وبين أبنائها هو أبرز ميادين العمل لخدمتها، واستمرارها وتحدّيها. وحين يؤمن قومٌ بلغتهم إيمانًا صادقًا علميًا، وحين يمارسونها ممارسة سليمة، فإنّ ذلك أوّل مراحل الحفاظ عليها من جهة، وتمهيد الطّريق أمام تطوّرها من جهة أخرى، تطوّرًا ينبع من ثنايا الاستعمال والتّطبيق، لا من خلال التّهويمات النّظريّة."(1)

إنّ إتقان اللّغة العربيّة، وممارستها في الأعمال العلميّة المتخصّصة، مطلب فطري، وضرورة حضاريّة، لخدمتها وصيانتها وحمايتها، والارتقاء بها في ميادين التّفاعل الثّقافي. كما أنّ ردّ الاعتبار للعربيّة، المقوّم الأساس للشّخصيّة العربيّة الإسلاميّة كفيل بفتح المجال أمامها للإبداع، وردّ الاعتبار للشّخصيّة نفسها.

3 – إهانة المحيط للّغة العربيّة

البيئة التي تَدْرُجُ فيها اللّغة العربيّة تهينها أكبر الإهانة، فمن يعتزّ بلغته العربيّة يعيش فيها غريبًا، إذ يصطدم بتصرّفات غريبة وهو يتعامل مع أبناء جلدته وبني أرومته. ويُواجَهُ بأنواع من السّلوك التي يحارُ فيها العقل، ولا تقبلها الفطرة. فالشّارع لا يحسن اللّغة العربيّة، والإدارة لا تتقنها، والمؤسّسات الثّقافيّة لا تعتني بها كما ينبغي، ومراكز التّكوين لا تعلّمها كما يجب. والإعلام يقترف في حقّها جرائم لا تغتفر. والأسرة لا تولي لها اهتمامًا …

لنأخذ مثالاً على هذا التّفريط في اللّغة العربيّة، بل تحقيرها، تصرّفات التّجار معها. إنّ منهم من يفضّل اللّغة الأجنبيّة في كتابة واجهة محلّه، ولا يعترف باللّغة العربيّة، فهي تصغر في عينيه، وتبدو له حروفها أشكالاً ذميمة، ولا أقول قبيحة، هي لا تجذب له الزّبائن، ولا توفّر له ربحًا وفيرًا. ومنهم من يميل أو يحلو له أن يزيّن اسم متجره بكلمات أجنبيّة مكتوبة بحروف عربيّة، أو يروّج بها بضاعته، من أمثال: "سوبر ماركت"، " كايرو شوز"، "بوتيك"، "فابريكا"، " فِي بِير vie pure " … ، في هذا تقع المسؤوليّة على الجهات المختصّة، التي تسمح بهذه التّصرّفات، وترخّص لأصحابِها بذبح الأصالة، ونحر الكرامة، والدّوس على الهويّة.

بل إنّ هذه الجهات ترتكب ما يجعلها قدوة وحجّة لهؤلاء التّجار، فهي تتصرّف التّصرّف ذاته. مثلا نقرأ في بعض المدن العربيّة الحمل الآتية: " هاوس آند جاردن"، سانتر سيتي"، "سانتر فيل" …

بعض المشتغلين بأمور الرّياضة لا يحلو لهم إلاّ أن يتحدّثوا باللّغة الأجنبيّة، أو أن ينطقوا الكلمات الأجنبيّة بأصوات عربيّة. من أمثال: (قول، سْتَاد، فَاوْلْ، كُرْنَرْ، أَوْتْسَايْدْ، كَابْتَن، أُنْتِرِينُور، كُونْتْرُول، .. ). وقمصان اللاّعبين تكتب باللّغات الأجنبيّة، وإلاّ لا تكون مقبولة ومتناسبة مع جماليّات الكرة وفنّياتها. والشّعارات والإعلانات التي تملأُ الملاعب، تكون معظمها باللّغات الدّخيلة والدّائسة على الكرامة العربيّة. وهكذا نصطدم بهذه الأشكال من الإهانة للّغة العربيّة في بقيّة جوانب الحياة اليوميّة للعربي في أرضه.

(1) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 45.

١٦ / ٩١