اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ١٨هل هناك خيانة أكبر من هذا؟ هل هناك غمٌّ وكربٌ أعظم من هذا؟ إنّ هذا يكشف بوضوح وصراحة عن احتقار اللّغة العربيّة.(1) هذه الظّاهرة تنبئ عن كارثة حقيقيّة، وهي التّخلي عن الانتماء. حين يحصل هذا نترقّب فقدان الهويّة، ثمّ الذّوبان والتّلاشي بعد ذلك. تقول مها خير بك ناصر: " … ولكنّ احتقار اللّغة الأمّ ينذر بكارثة ضياعٍ، وفقدان الهويّة؛ لأنّ التّخلّي عن الانتماء القومي، والتّنكّر للأصل يهدّد بخسارة الذّاكرة الثّقافيّة للأمّة، وغيابها عن مستويات الفاعليّة الحضاريّة، ومن ثمّ عجز أفراد الأمّة عن مواكبة الحركات الفكريّة الفاعلة على مسرح الوجود، وتكون النّتيجة فقدان الكيان الذّاتي والمعنوي للقوميّة العربيّة."(2)
4 – التّباهي بتطعيم الكلام العربي بالألفاظ الأجنبيّة
هذه الظّاهرة تشمل عامّة النّاس وخاصّتهم، حتّى أصبحت تقليعة، قلعت العربيّة من بعض عقول المغرورين والمغفّلين ومن حياتهم. وإنّك لترى الشّخص لا يحسن تلك اللّغة الأجنبيّة التي ينطق بها، لكنّه يقحم نفسه مع من يريد أن يكون من المتقدّمين المتطوّرين؛ فيتكلّم اللّغة الأجنبيّة. هذه الظّاهرة يسمّيها الدّكتور عبد القادر فضيل: (التّسيّب اللّغوي)(3) من مثل العبارة الآتية، التي ملأت الآفاق: (عِيشْ la vie ).
أراد أحدهم أن يخبر عن شخص داسته سيّارة فقتلته. أي أن يقول:" داسته سيارة، فجمعناه قطعة قطعةً " فقال: "كْرَزَتُو اَتُّومُوبِيلْ أُو رَمَرْسِينَاهْ مُرْسُو مُرْسُو ". وآخر قال:" أنا طَالَعْ فَلْبِيسْ أُو رَايَحْ أَلْبينَاكْ أَنْقابَلْ لَبْرُوفْ أُنْجِيبْ لَبُو" أي أنا صاعد إلى الحافلة، في اتّجاه حيّ ابن عكنون، لأُقابلَ الأستاذ، وآتِيَ بالمنحة " …
ما هذا النّشاز؟ ما هذا الدّوق؟ ما هذا العقل الذي لا يميّز بين المتنافر والمنسجم من الألفاظ والعبارات؟ هل فقد النّاس الإحساس؟ هل استوى عندهم التُّرب والتِّربُ؟؟؟
بعضهم يتحدّث – صراحة ووقاحة – باللّغة الأجنبيّة، ولا يرضى أبدًا أن ينبس بلفظة عربيّة؛ تكبّرًا واحتقارًا للغته (الأمّ). وأحسن هؤلاء حالاً من يعتذر لمخاطَبيهِ أن يسمحوا له، فيحدّثهم بلغة أجنبيّة، لأنّه لا يحسن اللّغة العربيّة، فيكون العذر في مستوى الجرم الذي ارتكبه في أحد مقوّمات شخصيّته.
زار عالم ألماني بلدًا عربيًّا في مهمّة علميّة، فقصد مركزًا ثقافيًّا، فطافت به موظّفة بهذا المركز، وبدأت تقدّم له شروحًا باللّغة الفرنسيّة، فاعتذر لها، أنّه لا يحسن هذه اللّغة، فاستغربت منه: كيف لا يحسن اللّغة الفرنسيّة، فقال لها: هل يفرض عليّ أن أحسن الفرنسيّة، وأنا الألماني، أنا أتقن الألمانيّة، وأعرف العربيّة. فالمفروض أن تشرحي لي باللّغة العربيّة، فأنا في بلد عربي.
(1) - كتب الشّيخ إبراهيم أبو اليفظان مقالا، عنوانه: " اللّغة العربيّة غريبة في دارها "، نشره في جريدته " وادي ميزاب "، ع: 55، الصّادر يوم: 3 من نوفمبر 1927م. تناول فيه الوضعيّة الغريبة للّغة العربيّة في موطنها، ذكر المظاهر والأسباب والأخطار النّاجمة عن ذلك، ومستقبل الهويّة والشّخصيّة القوميّة. للقارئ أن يتأمّل في المقال الذي كتب سنة 1927م، في ظلّ الاحتلال العسكري، وفقدان الحريّة. والحالة التي تعيشها العربيّة اليوم في الألفيّة الثّالثة، في رحمة الاستقلال واسترجاع السّيادة. ولينظر وليفكّر وليعتبر وليقدّر ما شاء له التّقدير …
(2) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 284.
(3) - ينظر كتاب اللّغة والهويّة والتّعدّديّة اللّسانيّة، ص: 83.