اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ١٩

هذا العالم قال لأحد الإخوة في هذا البلد: أنا أنصح كلّ من يقصد بلدكم أن يصطحب معه قاموسًا متعدّد اللّغات؛ لينجد به نفسه حين يخاطب فردًا منكم، فأنا لم أتبيّن اللّغة التي تتحدّثون بها، فهي خليط من الفرنسيّة والإنكليزيّة والإسبانيّة ولغات أخرى. كأنّه يقول: أين لغتكم القوميّة الرّسميّة.(1)

ما هذا التّقريع من العالم غير العربي؟ ما هذه الذّلة من الفرد العربي؟ ما هذا العار الذي نرتكبه نحو لغتنا (الأمّ)، التي أرضعتنا لبانها، وحضنتنا؟ فهي لا تطلب منّا سوى أن نرعى لها حقّها، ونبرّها بإحلالها في قلوبنا المحلّ اللاّئق، وأن نفسح لها مجالاتٍ في حياتنا.

موقف العالم الألماني يذكّرني بما قاله أحمد الرّيسوني عن بعض الدّول العربيّة: " لا يستطيع الملاحظ أن يستنتج أنّ اللّغة العربيّة هي اللّغة (الرّسمية) للبلد. فاللّغات الأجنبيّة تواصل اكتساحها واحتلالها لموقع السّيادة والرّيادة على الخريطة العربيّة، في مجالات التّعليم والإعلام والإدارات والمعاملات الحكوميّة، والمرافق الاقتصاديّة والتّجاريّة والخدماتيّة. وهي لذلك معزّزة بجهود ومخطّطات ومؤسّسات وتمويلات. وهكذا تستولي اللّغة الإنكليزيّة على المشرق العربي، وتستولي اللّغة الفرنسيّة على المغرب العربي."(2)

إنّ هذا السّلوك ليس حضاريًا، ولا مسؤولاً، بل فيه تجنٍّ واعتداءٌ على الحقوق؛ إذ فيه حرمان اللّغة العربيّة من مكانتها بين اللّغات الفاعلة في العالم، وإقصاؤها من مكانها في المحافل الدّولية. يقول أحمد الرّيسوني: " لقد أصبح الكثيرون من النّخب العربيّة، ومن المسؤولين العرب يجيدون ويمجّدون اللّغات الأجنبيّة، أكثر بكثير ممّا يفعلونه مع لغتهم، حتّى إنّ بعض المنظّمات التّابعة للأمم المتّحدة قد بدأت تتداول قرار حذف اللّغة العربيّة من اللّغات الرّسميّة المعتمدة لديها، وذلك لسببين:

الأوّل: هو أنّ ممثّلي العربيّة أنفسهم لا يستعملون لغتهم العربيّة داخل هذه المنظّمات؛ حرصًا منهم على إظهار معرفتهم باللّغة الأجنبيّة.

الثّاني: هو أنّ الدّول العربيّة غير ملتزمة بتعهّداتها الماليّة والبشريّة، في دعم متطلّبات استعمال العربيّة في أجهزة الأمم المتّحدة وفروعها.

على أنّ التّفريط الرّسمي العربي في اللّغة القوميّة الرّسميّة، على صعيد الأمم المتّحدة، وعلى الصّعيد الدّولي بصفة عامّة، ليس إلاّ فرعًا ونتيجة للتّفريط الأصلي على الصّعيد الدّاخلي … "(3)

أين الوفاء بالعهود والمواثيق؟ أين الالتزام بشروط التّمثيل؟ أين المسؤوليّة في تقديم الوجه الحقيقي للأمّة؟ فَدَاؤُنا منّا، وكان الواجب أن نكون فِدَاءً لِلغتنا. إنّ ضررنا يأتينا من داخلنا، ومصيبتنا تلحقنا من ساحلنا. هل يصدق علينا – في تعاملنا مع لغتنا – قول الشّاعر:

ما حيلة الرّيح، إذا من داخل … هبّت، وفُلْكٍ أوتيت من ساحلِ

(1) - هذه الدّولة هي بلدي الحبيب الجزائر .. واأسفاه .. وامعتصماه!!

(2) - مجلّة إسلاميّة المعرفة، ع: 49، ص: 8.

(3) - المصدر السّابق، ص: 9.

١٨ / ٩١