اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٢٠ليتذكّر أولئك أنّ الهويّة والكيان والوجود هي اللّغة. ومسايرة الحركات الفكريّة الفاعلة في العالم، تكون بلغة (الأمّ) الأصيلة القويّة. والذّاكرة الثّقافيّة التي تواكب الفاعليّة الحضاريّة مردّها إلى اللّغة … فلْنَعِ تلك الخسارة الكبيرة المهلكة التي تلحق بالأمّة، حين تكون اللّغة العربيّة في الدّرك الأسفل من الاهتمام، وقد ينعدم الاهتمام أصلاً، أو يكون اهتمامًا فاقدًا للهمّة والحماسة، والإرادة التي توفّر الأجواء المساعدة على تعلّمها وإتقانها؛ بما يرتقي بها إلى مكانتها، وإلى ما يرفع عنها التّحدّي.
كما نبيّن لهؤلاء المتنطّعين، والغافلين أو المغفّلين، أنّ المبالغة في تطعيم اللّغة العربيّة بالألفاظ الأجنبيّة الغريبة عن الأذن، يمسخها ويشوّهها، ويسلخها من أصالتها، ويصمها بالعجمة، التي تنفُرُ منها الأذواق السّليمة، والنّفوس الكريمة، فضلا عن كون ذلك يعدّ من أبرز مظاهر التّبعيّة الثّقافيّة، والتّسيّب أو التّرهّل الفكري.
للاستعمار دور كبير في مناهضة الثّقافة الإسلاميّة؛ بالتّشجيع على تبنّي هذه الفكرة، وتطبيق هذه الخطّة، وسلوك أيّ سبيل للنّيل من الثّقافة العربية: " قال " بينو " الوزير السّابق في الحكومة الفرنسيّة: لقد خسرت فرنسا إمبراطوريّة استعماريّة، وعليها أن تعوّضها بإمبراطوريّة ثقافيّة. فالمدخل الحقيقي إلى الاستعمار الجديد هو الهيمنة اللّغويّة والثّقافيّة "(1)
5 – إهانة اللّغة العربيّة في ميادين التّدريس(2)
مظاهر هذا التّقصير أو الإهانة كثيرة، منها:
أ – عدم إعطائها القدر الكافي أو المناسب: في مناهج التّعليم بمختلف مراحله: وضعَ مناهج، وشموليةَ فروعها، والحجمَ السّاعي المناسب، وإعدادَ الوسائل الكفيلة بتدريسها، وتنفيذ المنهجيّة السّليمة، التي تساير التّطوّر والتّجديد.
ب – عدم التّقيّد بالتّدريس باللّغة العربيّة الخالصة، فالمدرّسون في مختلف المراحل يخلطون اللّغة العربيّة بالعاميّة واللّغات الأجنبيّة. ممّا يؤثّر سلبًا على العربيّة نفسها والمتلقّين معًا.
ج - سلب اللّغة العربيّة حقّ تلقين العلوم بها – بخاصّة في الجامعة – وتفضيل اللّغات الأجنبيّة عليها؛ اقتناعًا من المخطّطين والمدرّسين بأنّ الجدوى والنّتائج الجيّدة لا تكون إلاّ باللّغة الأجنبيّة، التي تضمن إعداد شباب مثقّف متكوّن أحسن تكوُّن، وبهم تتقدّم البلدان العربيّة. منطوق تصرّفهم يشي بأنّ العربيّة قاصرة عن هذا الدّور. مع أنّ العلماء يؤكّدون أنّ التّقدّم الحقيقي لا يكون إلاّ باللّغة (الأمّ).
يقول أحمد الرّيسوني: " كما أنّ (اللّغة الأمّ) تشكّل وسيلة لا بديل عنها لأيّ إبداعٍ، أدبي أو علمي، مستقلّ ومتميّز. ودونها لا تكون إلاّ التّبعيّة والذّيليّة والهامشيّة. فليس هناك أمّة أبدعت وتميّزت: حضاريًّا أو علميًّا أو أدبيًّا، بغير لغتها القوميّة الرّاسخة فيها. وها هي التّجربة اليابانيّة على – سبيل المثال – حيّة وقريبة؛ إذ كان الاعتماد الأساسي والكبير للنّهضة اليابانيّة على اللّغة القوميّة، وليس على اللّغة الإنكليزيّة، كما يظنّ الكثيرون. وإلى الآن فإنّ الشّعب الياباني يُعدُّ متأخّرًا في سلّم المعرفة باللّغة الإنكليزيّة، ضمن شعوب العالم. فقد جاء اليابانيّون في المرتبة الثّامنة
(1) - من قضايا اللّغة العربيّة، ص: 23، 24.
(2) - عن مظاهر وضع اللّغة العربيّة المتدنّي المتردّي في المدارس والجامعات الجزائريّة، ينظر ما سجّله الدّكتور عبد القادر فضيل، كتاب: اللّغة والهويّة والتّعدّدية اللّسانيّة، ص: 83.