اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٢١عشرة في امتحانات خاصّة، أُجريت على الصّعيد الآسيوي. ولو كان الامتحان على الصّعيد العالمي لتدحرج ترتيبهم إلى الوراء أكثر، ولسبقهم كثير من العرب."(1)
هذه الملاحظة، وهذه الحقيقة تُسِرّ وتهمس في أبناء اللّغة العربيّة إلى الحرص على إقحامها:"مجالات العمل، تَمكينها من ممارسة دورها الحضاري في ميادين الحياة المختلفة، وبدفعها لخوض معركة الإنتاج المعرفي والإبداع الحضاري. مثلها مثل اللّغات الأجنبيّة، التي لا يتردّد أهلها في جعلها أداة السّيادة في وطنها، والتي بها يدخلون عالم المعرفة."(2)
يضيف محمد سويسي: إنّ لسان حال اللّغة العربيّة يقول: " (أعطوني العلماء أعبّر لكم عمّا لم تنطق به الألسن من قبل). وفي المعنى يقول ريفارول: (ما كانت قطّ اللّغة الثّريّة لتكون لغة شعبٍ جاهل معوز. "(3) واللّغة العربيّة أثبتَتْ عبر تاريخها أنّها لغة ثريّة، تتوفّر على إمكانات هائلة للإبداع وإنتاج المعرفة، وقد فعلت. لذا فتنبيه الدّكتور محمد سويسي ينعى على أبناء العربيّة أن يجرّوا الجهل للغتهم؛ بكسلهم وتخاذلهم وخمودهم. فالعربيّة لست كذلك ولن تكون. يقول الدّكتور محمد علي بوغازي: " لقد أثبت اللّغة العربيّة قدرة فائقة على حمل أرقى المعارف العلميّة والتّكنولوجيّة.
والواقع إنّ اللّغة العربيّة هي من ثراء المبنى وغنى الإمكانات، بحيث تقدّم هي ذاتها فرصًا نادرة لولوج عصر المعلوماتيّة، وكثافة المعرفة باقتدار. "(4)
في هذا السّياق يؤرّقني قول الدّكتور تمام حسان، وهو يوجّه عتابه المرّ، وتقريعه اللاّذع إلى المقصّرين في حق اللّغة العربيّة، ولا يجد آذانًا مصغية، ولا قلوبًا واعية. فيستمرّ الحال على ما هو عليه في سحب الثّقة في اللّغة العربيّة، بل يزداد سوءًا؛ حين يتغلغل هذا الإحساس في الأجيال المتعاقبة، ويترسّخ عقيدة فيهم: أَلاّ مكان للّغة العربيّة في ميادين العلوم، ولا معوّل عليها في كسب المعرفة. يقول الأستاذ: " … فما عذر جامعاتنا التي ما تزال تصرّ على تعليم العلوم الطّبيعيّة والرّياضية بلغات الغرب؟ إنّ هذا الموقف من جامعاتنا يكشف عن اتّهامٍ للّغة العربيّة بالقصور عن الوفاء بمطالب العلم الحديث. وهو اتّهام ظالم من قوم أَوْلَى بهم أن يتّهموا أنفسهم بالعجز عن ترجمة علومهم؛ لقصور منهم عن إتقان لغتهم القوميّة، وعن القدرة على الانتفاع بمرونتها … "(5)
د - نقص فادح في نشر المعرفة باللّغة العربيّة تأليفًا وترجمةً. وعدم توفير مراجع باللّغة العربيّة للكتابة بها.
هـ – ضعف في التّرجمة إلى اللّغة العربيّة، وبخاصّة العلوم المعاصرة. يتجلّى ذلك في ترجمة الغثّ والسّمين من الموضوعات، من دون دراسة دقيقة، وخطّة محكمة، ويبرز أيضًا في ركاكة الأسلوب، وتعقيد المعنى، وافتقاد الرّوح الدّينيّة والوطنيّة في بعض الأحيان في المحتوى اللّغوي؛ نتيجة ضعف في اللّغة العربيّة، وهشاشة في التّشبّع بالدّين … كلّ هذا يعود على العربيّة بالويل والثّبور.
(1) - مجلّة إسلاميّة المعرفة، ع: 49، ص: 7.
(2) - اللّغة والهويّة والتّّعدّديّة اللّسانيّة، ص: 82.
(3) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 144.
(4) - توطين المعرفة العلميّة والتّكنولوجيّة وأهميّة نشرها بالعربيّة، ص: 22.
(5) - الدّكتور تمام حسان، " اللّغة العربيّة والشّعوب الإسلاميّة "، ينظر كتاب من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 78. عن مظاهر وضع اللّغة العربيّة في الجزائر، ينظر ما كتبه الدّكتور عبد القادر فضيل، كتاب اللّغة والهويّة والتّعدّديّة اللّسانيّة، ص: 69 – 86.