اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٢٢

6 – حرمان النّاشئة من سماع اللّغة العربيّة في أوساطهم

النّاشئة لا تسمع اللّغة العربيّة كثيرًا في الأوساط التي تتحرّك فيها وتعيش وتدرج: في المنزل والشّارع والنّادي، والإدارة والملعب والمكتب .. في الاجتماعات واللّقاءات والمحاورات والمكالمات … ومن يسمعها يسمعها مشوّهة محرّفة، ومن يلقّنها لا يتحمّس لها. ومنهم من يتناقض مع نفسه معها، مرّة يتحدّث بها، ويحثّ على ذلك، ومرّات ينطق بما يخالف دعوته. مع العلم أنّ تعليم أيّة لغة، إنّما يتمُّ بِمهارات أربع: أوّلها الاستماع، ثمّ القراءة فالمحادثة فالكتابة. فإذا كان النّشء وغيره لا يسمع اللّغة العربيّة، أو يلتقطها محرّفة، وتقرع آذانه الكلمات الأجنبيّة بكثرة، فإنّ النّتيجة تكون الوهنَ الحاصلَ في موطنها وأوطانها.

7 – صمت المثقّف عمّا يحدث للّغة العربيّة

ممّا تعاني منه اللّغة العربيّة عدمُ تحمّل المثقّف العربي مسؤوليّتَه في حماية لغته من الانحدار والانكسار والاندحار، والتّدنّي والتّردّي والتّجنّي. وهو ما أنتج نتائج وخيمة على اللّغة أوّلا، ثمّ على الأمّة التي تنتمي إليها ثانيًا. هذه السّلبيّة لا تفسّر إلاّ بالتّخلّي عن الواجب، أو الانهزاميّة والاستسلام للقوّات الضّاغطة على النّفوس؛ كي تبتعد عن ميادين القراع والصّراع، ولا تُقرَأُ إلاّ على أنّها ضربٌ من اليأس في استرجاع اللّغة (الأمّ) مكانتَها ودورَها في خضمّ سيرورة الحياة، وتطوّر الأحداث، وتفاعل الثّقافات …

يقوا الدّكتور عبد السّلام المسدّي: " اللّغة العربيّة بما هي حامل للهويّة الثّقافيّة، وضامن لسيرورة الذّات الحضاريّة، لا يتهدّدها شيء مثلما يتهدّدها صمت المثقّف، وهو ينظر إلى الزّحفِ اللّهجي يكتسح مجالاتها الحيويّة، ولا سيّما في الإبداع الثّقافي، وفي الحديث عن كلّ شأنٍ ثقافي، مهما تقلّصت أبعاده، أو انكمشت أحجامه، أو ضؤُلت أوزانه، وليس من حقّ العرب في أن يواجهوا مخاطر الكونيّة الزّاحفة المستشرية إلاّ بجبهة داخليّة متينة، تستمدّ قوّتها من التّماسك اللّغوي المطّرد في أنساقه، والمنسجم بين أطرافه. فالثّقافة معرفة وفنّ. والعرب الآن يفصّحون المعرفة ما وسعهم الإفصاحُ، ولكنّهم يلهّجون الفنّ، إلاّ من رحم ربّنا، وفي هذا يكمن نذير الانفصام."(1)

إنّ الممارسات السّيّئة مع اللّغة العربيّة مضرّة بها، والسّكوت عنها أشدّ ضررًا، بخاصّة إذا صدر هذا ممّن يفترض أن يكونوا سدنتها وحماتها، وهم المثّقفون، الذين حباهم الله وأكرمهم بنعمة الثّقافة والعلم والوعي؛ لكي يسخّروه في خدمة ما ومن هو بحاجة إلى خدماتهم. إنّهم مطالبون بالنّهوض بأعبائهم – أكثر – حين تمسّ المقوّمات، وتداس الحرمات، وتنتهك المقدّساتُ، كاللّغة العربيّة التي هي الحياة بالنّسبة للمنتمين إليها.

إنّ اللّغة العربيّة تشكو هؤلاء إلى الضّمير الحيّ، والمروءة المتيقّظة، والشّهامة المتّقدة. يقول الدّكتور صالح بلعيد وهو يتحدّث عن المثقّفين بعامّة والإعلاميّين بخاصّة وواجبهم في حماية اللّغة العربية: " … فهم أولى النّاس بالمبادرة بوضع الحدود للهويّة اللّغويّة، التي يتهدّدها وضع لغوي خطيرٌ، وإن وقع تحجيم هذا الأمر قد يؤدّي إلى فراغ ثقافي ولغوي يوصلاننا إلى حالات وهميّة لا مرجع لها، ويفتح الباب لانفصال لغوي جديد. "(2)

8 – الاستعمال المشوّه والغريب للّغة العربيّة

من المشاكل التي تعاني منها اللّغة العربيّة الاستعمال المشوّه لها، وارتكاب الأخطاء الكثيرة في حقّها، أخطاء في النّطق بها، في كتابتها، في إقحام صيغ ليست لها أيّة صلة بها، بل أحيانًا تظهرها ممجوجة، مذمومة، مملولة، ناشزًا … تنفّرها من أذواق أصحاب الحسّ الجمالي، وتجعلها في حال سخريّة منها عند الكائدين لها …

ما دامت قبلة كثير منّا هي فرنسا، فليسألوا أنفسهم: هل يمكن أن يتسامح الفرنسي مع من يهشّم لغته، أو يستهزئ بها .. يقول صالح بلعيد: " … ولن يرضى الفرنسي أن يسمع مستهزئًا بلغته، يظهر في الشّاشة، أو يكتب في الصّحف الفرنسيّة، مهما كانت درجته العلميّة أو السّياسيّة. وقد حصل هذا قديمًا عند العرب، بأنّ اللاّحنَ في اللّغة العربيّة يستبعدُ إلى بلاد العجم. وهناك من يجري عليه العقابُ شديدًا. وهذا كلّه من باب التّحرّز الذي كان يضعه النّحاةُ للّغة العربيّة، ويتمثّل ذلك في المحافظة على صفائها، إلى درجة المغالاة."(3)

9 – الانهزام النّفسي وسحب الثّقة في اللّغة العربيّة

تضافرت عوامل كثيرة(4) في زرع داء الانهزام النّفسي في قلوب أبناء اللّغة العربيّة، فراحوا يبعدونها من حياتهم ومعاملاتهم، ومن تفكيرهم ومشروعاتهم، التي يضعونها للرّفع من مستوياتهم وأقدارهم، حتّى يوجدوا لهم مكانًا مع الأقويّاء – حسب زعمهم – فلم يقووا على صدّ الهجمات التي توجّه نحو لغتهم (الأمّ)، ولم يفعلوا ما يفرض حضورها في الحياة العامّة، ولم ينهضوا ليثبتوا أصالتها وقدرتها على ريادة المجالات العلميّة والتّكنولوجيّة، والتّحكّم في ميادين المعرفة. ونسوا تاريخ اللّغة العربيّة الحافل بعظائم المنجزات؛ حين كان أبناؤها أبطالاً وفرسانًا في تخصّصاتهم العلميّة، يطوّرون بها المعارف والعلوم، ويطوّعون العالم لهم. كما أنّ هذا الانهزام أنساهم أحقاد الأعداء على لغتهم، والعمل على طمسها(5). كما أدّى بهم ذلك إلى الاستكانة والكسل والخمول والخمود، وعدم الاجتهاد في تطوير لغتهم، فركنوا إلى الاستعانة بالخبرات الأجنبيّة، واتّجهوا إل التّرجمة وحدها في كسب العلوم، وتطوير أدائهم المعرفي. علمًا أنّ الاعتماد على التّرجمة كثيرًا يفقد النّشء الثّقة في لغتهم.

10 – مزاحمة اللّهجات المحليّة للّغة العربيّة

من الأدواء الفتّاكة بالهويّة الإسلاميّة، والقاتلة لمقوّمات الشّخصيّة العربيّة، مزاحمة اللّهجات المحليّة للّغة العربيّة، بخاصّة حين يكون شعار من يشّجع على هذا النّهج هو إحياء اللّغة الوطنيّة، واللّغة الرّسميّة، والمحافظة على الهويّة … هنا تصبح هذه الدّعوات معيقات حقيقيّة لتطوّر اللّغة العربيّة، بل تكون خطرًا على وجودها، ففي أهون الشّرور هزالها وضعفها، وفقدان قوّتها، وقوّة التّأثير فيمن يحسبون في أبنائها. ويكون نتيجة ذلك فقدان الحماسة نحوها، وقد يتطوّر الأمر إلى نصب العداء لها، وتركها نهائيًا … وإن كان هذا السّلوك قد صاحب اللّغة العربيّة منذ القديم، لكنّه في الوقت الحاضر استشرى، وارتدى ألبسة واتّخذ أقنعة، لها سموم مبيدة للّغة العربيّة أكثر:" … وصولاً إلى العصر الحاضر، حيث

(1) - الدّكتور صالح بلعيد، " اللّغة العربيّة والصّحافة"، مجلّلة اللّغة العربية، ع: 16، ص: 142.

(2) - المصدر السّابق نفسه.

(3) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع:: 16، ص: 160.

(4) - من هذه العوامل سياسة الاستعمار معها ومع أبناء اللّغة العربيّة، وهجوم الصّهيونيّة على كلّ ما هو عربي أو إسلامي، وضعف الحماسة لها مِنْ بعض مَنْ ينتسبون إليها، وعدم اهتمام القائمين على التّكوين والإعداد والبناء بواجبهم الكامل في تلقين اللّغة العربيّة للنّاشئة بخاصّة …

(5) - ينظر ما كتبه الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي في الموضوع، عيون البصائر، ط2، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 2003م، ص: 221 – 223.

٢١ / ٩١