اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٢٣استفحل الدّاءُ وعمّ البلاءُ، وأصبح الموتورون من العروبة والعرب ولغتهم يجاهرون بتكريس اللّهجات الإقليميّة الانفصاليّة على حساب اللّغة العربيّة الفصحى، خزّان علوم العرب وآدابهم وتراثهم المشرق، العروة الوثقى بين العروبة والإسلام."(1)
يقول أحمد الرّيسوني: " … انبعثت بعد فشلٍ قديم دعواتٌ متحمّسة ومبادرات فعليّة، لمحاولة ترسيم اللّهجات العاميّة واتّخاذها بدائل عن الفصحى. وهكذا ظهرت في المغرب العربي على سبيل المثال صحف وإذاعات وقنوات مكتوبة وناطقة بالعاميّة. ولحسن الحظّ فإنّ أصحابها يشتكون من إعراض الجمهور عنهم واستهجانه لعملهم. ذلك أنّ عامّة النّاس، بما فيهم الأميّون وأشباه الأميّين يفضّلون لغة فصيحة ميسّرة، على العاميّة المغرقة في محلّيتها وخصوصيّتها وقلّة جدواها، فهم يريدون خطابًا يرتقي بهم، لا خطابًا يحطّ بهم. "(2)
عادة ما تصحب هذه الدّعوات مشروعات تنال من اللّغة العربيّة، ويتمّ ذلك بالتّنسيق مع الجهات التي تكنّ عداء للّغة العربيّة. وغالبًا ما تقصد الفئات الشّبانيّة التي لا تكون محصّنة بالثّوابت والمقوّمات الحقيقيّة لشخصيّتها. من أسلحة هؤلاء تقديمُ معلومات خاطئة، عن تاريخيّة هذه اللّغة ودخولها إلى أوطانها، وكثيرًا ما توصف بأنّها جاءت مستعمرة ومزحزحة للّهجات التي كانت سائدة قبل مجيئها. ومنها تزويد المغرّر بهم بمعلومات مشوّهة لطبيعة اللّغة العربيّة، وهي عدم صلاحيّتها لمواكبة التّطوّر والتّقدّم، بل هي من أسباب تأخّر الشّعوب التي تتمسّك بها … إلى غير ذلك من الادّعاءات الباطلة الغادرة، والهجمات السّافرة، التي تسبّب مشاكل كثيرة وكبيرة للّغة العربيّة.
11 – غياب سياسة حقيقيّة ورغبة جدّية لتقوية اللّغة العربيّة
غياب التّخطيط المدروس لمستقبل اللّغة العربيّة على مستوى الحكومات والهيئات والأفراد، أثّر كثيرًا على مردود اللّغة العربيّة في العطاء، وسبّب جحود أبنائها لها.
إنّ اللّغة العربيّة تشكو عدم وجود مشروعات جادّة ومحكمة، للقيام على شؤونها: تعليمًا، وتطويرًا، وصيانة وحماية، ونشرًا، ومدافعةَ الأخطار المحدقة بها، والمخطّطات الكائدة لها. فالمسؤولون لا يقومون بما ينبئ عن اهتمامهم الجدّي والكبير والمسؤول عن اللّغة (الأمّ) الحاملة للفكر، والحامية للهويّة والحانية على أبنائها. والهيئات والمؤسّسات التي تعنى بجانب التّخطيط لخدمة اللّغة العربيّة قليلة جدًّا، وبعضها الذي ينشط تنقصه الإمكانات، وقد ينحسر مجال نشاطها: زمانًا ومكانًا وبشرًا: أفرادًا يعملون وآخرون يُخاطَبون ويوجَّهون. وقليل من الباحثين من يعمل على تطوير اللّغة وتطويعها لمسايرة التّجدّد والتّغيّر؛ لظروف وعوامل قد تكون موضوعيّة، وقد تكون أعذارًا غير مقبولة.
إذن هناك تقصير كببر في حقّ اللّغة العربيّة، وربّما تَجَنٍّ سافرٌ نحوها في زاوية التّخطيط والبرمجة والاستراتيجيّة. وهو ممّا تعانيه أشدّ المعاناة، فلابدّ من الانتباه لهذا، والإفاقة من الغفلة، والاستيقاظ من الغفوة، والتّخلّي عن الججود والتّنصّل من المسؤوليّة، لابدّ من صحوة ووثبة عملاقة نحو الأمام. يقول أحمد الرّيسوني: " إنّ المسألة اللّغويّة عمومًا، ومسألة اللّغة العربيّة تحديدًا، تستدعي وتستحقّ جهودًا أكبر بكثير ممّا تأخذه الآن. ولا أُراني مبالغًا إذا قلت: إنّ قضيّة
(1) - ماجد الصّائغ، الأخطاء الشّائعة وأثرها في تطوّر اللّغة العربيّة، ص: 5.
(2) - إسلاميّة المعرفة، ع: 49، ص: 9.