اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٢٥

اللّغة العربيّة تحتاج إلى صحوة وحركة، على غرار الحركة الإسلاميّة والصّحوة الإسلاميّة. فهل نطمح إلى أن نشهد انتفاضة لغويّة عربيّة، تبشّر بمستقبل قريب للّغة العربيّة في عصر العولمة.

إنّ قضيّة اللّغة العربيّة يجب أن ترفع إلى مرتبة القضايا الكبرى للأمّة، قضايا الوجود، والسّياسة والتّخطيط (الاستراتيجي) للحاضر والمستقبل. ويجب أن تعدَّ قضيّة حكومات وشعوب، لا قضيّة مهتمّين ومتخصّصين. نحن نرى أنّ مجامع اللّغة العربيّة –على جهودها وعطاءاتها الجليلة – تجد نفسها مشلولة أمام الواقع المتدهور لهذه اللّغة، ذلك أنّها دون أنصار، ودون تجاوبٍ رسمي، ولا سند شعبي، ولا يكاد يعلم بقضيّتها أحد."(1)

12 – تعجيم اللّغة العربيّة

بعض الدّول العربيّة تقيم فيها أعداد هائلة من الوافدين والمقيمين غير العرب، يتوزّعون على مختلف ميادين العمل. وبعض المراكز يمثّلون فيها الأغلبيّة، هؤلاء لا يحسنون اللّغة العربيّة، فيضطرّون إلى التّحدّث بها، لكنّها تكون مكسّرة، مهشّمة، ممسوخة، والأهالي يتعاملون معهم بتلك الطّريقة. وقد تمكّن هؤلاء الوافدون أن يدخلوا في قاموس لغة السّكان العرب الأصليّين مفردات، لا أصل لها ولا فصل، ولا مبنى لها ولا معنى واضح، فتزحزحت بعض الألفاظ العربيّة عن يوميّات العربي، لتحتلّ مكانها ألفاظ أعجميّة غريبة، تبعث على الضّحك والبكاء في آن واحد.

حصل هذا نتيجة تنازل العربي عن لغته؛ لمصالح يريد أن يقضيها مع هذا الأعجمي الوافد على بلده، والذي ملأ حياته واحتلّ مكانه في النّشاط. بدل أن يغتنم العربي الفرصة ليعلّمه اللّغة العربيّة، ويكون بذلك قد أسهم في نشرها في الأوساط غير العربيّة. ليكون هذا رسولَ العربيّة إلى أهله ووطنه. كما يكون – دائمًا – العربي رسول اللّغة الأجنبيّة إلى أهله وبلده، بعد أن يتشبّع باللّغة التي كان يتحدّث بها في البلد الذي يقيم فيه، ويتشرّبها أحسن ما يكون التّشرّب، فَيَنْقُلَ إلى عقر داره فكر هذه اللّغة، ويضربَ به فكره الحقيقي، بعد أن يضرب بلغته (الأمّ) عرض الحائط.

هذا الأعجمي لو عاش أو أقام في بلد غير عربي، مَا تعامل مع أهله إلاّ بلغتهم، بل قد يتقنها، ولا يمكن له أن يتحدّث معهم بلغته (الأمّ)، أو يهجّن لغتهم. لماذا يكون العربي دائمًا هو المستهدف، وهو المهجَّن، من القويّ والضّعيف؟؟ هذه مصيبة أخرى تتعرّض لها اللّغة العربيّة، ومعول آخر تحطّم بها، ومسمار آخر يضرب في نعشها.(2)

14 – تقلّص فرص الشّغل في أسواق العمل العربيّة للمتكوّنين باللّغة العربيّة.

هذا عائق كبير للإقبال على اللّغة العربيّة، وحاجز سميك يمنع أبناءها من التّقرّب إليها، ما دامت النّفوس تتحكّم فيها الأغراض الدّنيويّة، وتسيّرها المصالح الخاصّة. على المخطّطين وأصحاب القرار، وعلى القيادات أن تراعي هذا الجانب، فتضع من ضمن اهتماماتها ومسؤوليّاتها، توفير فرص العمل للمتكوّنين باللّغة العربيّة. وإلاّ فقدت العربيّة كلَّ حقبة أعدادًا كبيرة، تفرّ إلى لغات أخرى. والأخطر من هذا أن يكون هناك سوء تدبير أو تخطيط، أو … حين يهيّأ منهاج، فيه مواد يدرسها الطّالب في مراحل ما قبل الجامعة باللّغة العربيّة، فإذا ما تخطّى عتبة الثّانويّة العامّة، أوعقبة الباكالوريا، وفرح بولوج أبواب الجامعة، ركبه همّ، وتملّكته حسرة، حين يقال له: عليك أن تكمل مشوارك العلمي باللّغة الأجنبيّة؛ لأنّ تخصّصك منصوص عليه ومحكوم أن يدرس باللّغة الأجنبيّة. فينعى المسكين نفسه، ويلعن السّنوات

(1) - مجلّة إسلاميّة المعرفة، ع: 49، ص: 10، 11. ينظر ص: 11، 12 المقترحات التي قدّمها الأستاذ أحمد الرّيسوني لتحريك القضيّة.

(2) - ينظر المصدر السّابق، ص: 9. ما كتبه أحمد الرّيسوني في الموضوع.

٢٣ / ٩١