اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٢٦

التي كان يضيّع فيها أوقاته مع اللّغة العربيّة، التي تسبّب له شقاءً وبلاء وضياعًا. فما عليه إلاّ أن يقدّم نصيحة غالية لإخوانه: أن لا يهتمُّوا بهذه اللّغة الميّتة، بل عليهم أن يصرفوا عنها اهتمامهم، وينصرفوا إلى اللّغات الحيّة الضّامنة لسوق العمل.

15 – خطر الفضائيّات

الإدمان على تتبّع الفضائيّات، ومتابعة ما تبثّه من دون فرز واختيار الأنسب لفطرة الإنسان، ومن دون الاقتصاد في ذلك، وتقبّل كلّ ما تقدّمه، بأيّ مضمون كان، أو أسلوب يُعرض خطأٌ وخطلٌ وخطرٌ. يفسد النّفوس، ويخرّب العقول، ويصيب القلوب. فإذا ما قدّم ما يقدّم بلغة فاسدة، أو مشوّهة ممسوحة، كان الخطر أكبر؛ لأنّ ذلك يؤثّر على الفكر والمعتقد والوعي والعلاقة مع اللّغة (الأمّ).

إنّ كثيرًا من الذين يظهرون على شاشاتنا العربيّة يرتكبون جنايات كبيرة في حقّ اللّغة العربيّة، يستحقّون عليها أقسى العقوبات، تغريمًا أو تعزيرًا أو نفيًا أو سجنًا، وربّما أكثر من كلّ هذا … ؛لأنّ سلوكهم يصيب الأمّة الإسلاميّة والعربيّة في المقاتل، فيرديها صريعة. فهو يستحقّ القصاص منه بما أزهق من روح الأمّة، وهي اللّغة العربيّة …

برامج باللّغة العربيّة المحطّمة المشوّهة تقدّم، وأخرى تململ سيبويه في قبره تُعرَض، وغيرها بلهجات محليّة مطعّمة بلغة عربيّة محتشمة تبثّ، وبرامج تمزج فيها اللّغة العربيّة باللّغات الأجنبيّة، يُستنجَد بها للتّعبير عن المقصود؛ لأنّ المتكلّم لا يجسن اللّغة العربيّة، أو قد يظنّ أنّ المشاهد لا يفهم الخطاب الموجّه إليه باللّفظة العربيّة السّليمة …

مهما تكن المظاهر، ومهما تكن التّصرّفات، ومهما تكن النّوايا، فإنّ النّتيجة واحدة هي المساس باللّغة العربيّة، والنّيل من قدرها ومكانتها. يقول الدّكتور صالح بلعيد: " وأعتبر ما يأتي من هذه المحطّات المخلّة بالوجه اللّغوي الصّحيح لدرجة الفساد، من المنتوج الرّخيص السّهل المنال؛ لأنّ هذه المحطّات تنزع إلى إرضاء جمهورها، وتنزل إلى مستواهم البسيط، وتخاطبهم بما يريدون، ولا تحاول أن تعمل على ترقية لغتهم بدعوى الإثارة والدّعاية والتّشهير والتّمنشير، ويستدعي هذا النّوع من التّكسير اللّغوي ما يستدعي. بل هي طريقة جديدة في الحداثة والعمق؛ بحكم السّرعة. وفي نظرهم من يقف في وجه هؤلاء فهو رجعي سلفي أصولي، لا يريد للّغة التّطوّر. وعلى العموم فإنّ بضاعة أمثال هذه القنوات نافقة هشّة، لا تذهب بعيدًا."(1)

16 – أخطاء الإعلام وجناياته

كم هي الأخطاء الكبيرة والجنايات العظيمة، التي يرتكبها الإعلام في حقّ اللّغة العربيّة، والتي تركت آثارها السّلبيّة على حقيقة هذه اللّغة، وحاضرها ومستقبلها. فمن كسر قواعدها، والانحراف بإعرابها، إلى تهشيم بنية كلماتها، أي عدم التّقيّد بقواعد الصّرف في النّطق والكتابة بها؛ لجهلٍ وقصورٍ في هذه القواعد، إلى اختراع صيغ وأوزان ما أنزل الله بها من سلطان، واختراق السَّنَنِ العربي، إلى تهجين أساليب اللّغة بأساليب دخيلة عليها وعلى البيان العربي. بمعنى استفحل داء تأثّر الإعلاميّين (والكتّاب) بأساليب اللّغات الأجنبيّة، فأكثروا من الاقتباس والتّرجمة للمفردات والأساليب والصّيغ، من دون ضابط ولا أصول ولا مراعاة لخصوصيّة اللّغة العربيّة، وما يجني عليها.

(1) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 155، 156.

٢٤ / ٩١