اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٢٧هذه المظاهر الجديدة في اللّغة الصحفيّة التي تزاحم المناويل الصّحيحة لها، هي منكرات تقترف في حقّ اللّغة العربيّة، التي يراد لها أن تهجر أصولها ومنابعها لتسير في غير دربها؛ ريثما تلتحق بصفّ الموؤودين والهالكين إلى غير رجعة، وبذلك تتعرّض الهويّة والأصالة للخطر، ما دامت هذه اللّغة هي وعاء القرآن، وضامن الهويّة، وحامل الفكر، وحامي الشّخصيّة … فعدم احتفاظها بخصائصها ومميّزاتها يدفع بها إلى حافة القبر .. لتنتظر أوان سقوطها فيه، إذا لم تتدارك وتنقذ ..(1)
هذه بعض المشاكل التي تعاني منها اللّغة العربيّة، والمعيقات التي تعيقها عن السّير الحسن، وعن التّحرّك المطّرد، وعن استثمار طاقاتها ومخزونها الثّرّ في خدمة الفكر العالمي، وفي تطوير الحياة، والإسهام في النّهضات المختلفة. هذه المشاكل تأتيها من داخل الدّار، ومن خارج الحمى.
هذه الوضعيّة تفرض علينا أن نعرض على أنفسنا – كما فعل كثير من المهتمّين بشؤون اللّغة العربيّة – الأسئلة الآتية:
1 – ممّن ننقذ اللّغة العربية في الوقت الرّاهن؟
2 – مَنِ الجاني عليها في هذا العصر بخاصّة؟
3 – هل تموت هذه اللّغة، وتتلاشى الهويّة التي تحملها؟
4 - ما هو السّبيل إلى الخروج بها من الأنفاق المظلمة، إلى الفضاءات المضيئة، والرّجوع بها إلى سالف عهدها المزدهر المنتج المثمر؟ …
كثير من المشاكل التي تعاني منها اللّغة العربيّة في عقر دارها، كان للاستعمار دور كبير فيها، إلى جانب قابليّة أبناء هذه اللّغة لاستقبالها، أو تقبّلها طوعًا أو كرهًا. يعلّق الأستاذ محمد عبد السّلام آزادي عن مفاجأة الاستعمار للصّحوة التي أتت بها النّهضة العربيّة، وما قدّمته للّغة العربيّة، فرأى فيها صحوة إسلاميّة قائمة، لا تكون معها للغرب المتربّص بالإسلام قائمة، فعمد إلى ضرب اللّغة العربيّة، صمّام الأمان، ومقوّم الشّخصيّة، ومحرّك النّخوة العربيّة الإسلاميّة. فاقترف ما يذكره الأستاذ: " ولكن فور ما تنبّه الاستعمار الثّقافي إلى أنّ نهضة اللّغة العربيّة بهذه السّرعة المذهلة، نهضة للإسلام، فأخذوا يتآمرون ضدّ اللّغة العربيّة على نحوٍ تالٍ:
1 – صرفوا عنايتهم باللّهجات العربيّة الإقليميّة، وحاولوا وضعَ القواعد المعياريّة لهذه اللّهجات لتكون بديلاً للفصحى.
2 – وخوّفوا النّاس من الفصحى بأنّها صعبة، وليس سهلاً التّمكّن من ناصيّتها، ولا طائل في ممارستها؛ لأنّه لا علاقة بينها وبين الحياة المعاصرة.
3 – ونادوا لكتابة العربيّة بالحروف اللاّتينيّة، واختاروا لها أنصارًا وأعوانًا من بني العرب.
4 – وقاموا بمطالبة خلق اللّغة العربيّة الفصحى الوسيطة؛ لتكون سهلةً ووسطًا بين العاميّة والفصحى.
(1) - عن العوامل التي تؤدّي بالصّحافيّين إلى ارتكاب أخطاء في اللّغة، ينظر ما سجّله الدّكتور صالح بلعيد، مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 181 – 183.