اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٢٩للتّشمير عن ساعد الجدّ للعمل على خدمة لغتهم لتنهض كي تقوم بدورها في مسيرة الفكر العالمي. فهي لغة لها القابليّة لتتفاعل مع اللّغات الأخرى، ولها القدرة على التّطوّر والنّماء. من هذه الخطوات:
1 – الالتفات حول اللّغة العربيّة
التّجمّع حول اللّغة (الأمّ) روحًا وعملاً، للظّفر بالوحدة، التي توثّق الصّلة باللّغة، وتمتّن العلاقة بين أبنائها، وهو ما يعين على توفير روح الحماسة لها، وتدفع تلك الحماسة إلى التّقرّب منها أكثر لمعرفة خصائصها، والنّتيجة تكون زرع حسّ تذوّقها والانجذاب إليها. يقول الدّكتور إبراهيم أنيس: "لا تتمّ الوَحدة السّياسيّة وتستقيم النّظم الاجتماعيّة في شعب من الشّعوب، إلاّ على أساس الوَحدة اللّغويّة، التي تصبح للشّعب بمثابة رباط سحري، يجذب أفراده بعضهم إلى بعض، وليوثّقوا الصّلة بينهم؛ فيفكّرون بعقل واحد، ويشتركون في مشاعر وأحاسيس موحّدة، ويتعاونون على ما فيه خيرهم، وما يكفل لهم الأمن والاستقرار والرّخاء."(1)
هذه الملاحظة مهمّة، وهذا التّنبيه مفيد، يكشفان عن الخطوة الأولى في العمل على خدمة اللّغة، ويضعان الأساس لبناء شامخ شاهق عظيم،. عناصره: الوَحدة السّياسيّة والفكريّة والشّعوريّة، والرّباط الوثيق، والصّلة القويّة، ثمّ الالتفاف والانجذاب إلى عنصر اللّغة، نقطة الانطلاق السّليم في الحياة أو الممارسة، الذي يوفّر الحياة الحقيقيّة، المبنيّة على الأمن والاستقرار والرّخاء. هذه الدّعوة تحتاج إلى خطوات عمليّة ومخطّطات واقعيّة لتجسيدها في الواقع. كلّ هذا يمكن القيام به، بعد توفّر هذا العنصر: الالتفاف حول اللّغة العربيّة والحماسة لها.
2– حماية اللّغة العربيّة
اللّغة العربيّة تحتاج – بعد صدق الحماسة نحوها – إلى الحماية من كلّ أشكال الترهّل والاعتداء والاستلاب والتّهميش، بهذه الخطوة يبدأ الخروج من أنفاق المشاكل والتّخلّف، وينطلق التّطوّر. يقول صالح الخرفي: " والتماس التّطوّر مبدؤه في الاحتماء باللّغة القوميّة، وليس في الهروب منها. والحماية مسؤوليّة متبادلة بين المُواطن ولغته. والحماية لا تعني التّقوقع، الذي يكتم أنفاس اللّغة، ولكنّه التّفتّح الأصيل، الذي يجدّد دورتها الدّموية."(2)
ممّا يدخل في هذا العنصر إحاطة اللّغة العربيّة بجملة من القوانين والمراسيم، التي تضمن صيانتها وحمايتها من المعتدين عليها وعلى حرمتها. على غرار ما تفعل الأمم التي تعتزّ بلغتها، وترعى حرمتها وتغار عليها: " … فإنّ الفرنسيّين يتّبعون في المحافظة على منزلة اللّغة الفرنسيّة في العالم، وعلى عالميّتها سياسة حِمائيّة، تتمثّل خاصّة في إصدار القوانين والقرارات الرّسميّة عن مجلس الوزراء، ونشرها بالجريدة الرّسميةّ للحكومة الفرنسيّة، وهي – في معظمها – قوانين وقرارات خاصّة باستعمال اللّغة الفرنسيّة، والتّصدّي للدّخيل فيها من اللّغة الإنكليزيّة، يضاف إلى ذلك أنّهم قد خصّوا اللّغة الفرنسيّة وظاهرة الفرنكوفونيّة المرتبطة بها بكتابة دولة، تعنى بهما، وتعمل على دعمهما."(3)
(1) - ينظر المصدر السّابق، ص: 158.
(2) - المصدر السّابق، ص: 28.
(3) - الدّكتور إبراهيم بن مراد، " مكانة اللّغة العربيّة بين لغات العالم الواسعة الانتشار"، ينظر المصدر السّابق، ص: 224.