اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٣٠

هذا ما يجب أن يقوم به الغيورون على لغتهم لحمايتها. وَقَفَ نائب في البرلمان الفرنسي، وجهر قائلا: إنّنا نضع القوانين لمعاقبة المجرمين، والذين يسرقون ويقتلون، فلماذا لا نضع القوانين لمعاقبة الذين يفسدون اللّغة.(1)

إنّ هذا النّائب، وعى مسؤوليّته، وأنّه أُجلِس على مقعد البرلمان وشّرف به؛ ليقوم بواجبه نحو إخوانه الذين أعطوا فيه الثّقة، فَيحمي شخصيّتهم. وعَلِمَ عِلْمَ اليقين أنّ في إفساد اللّغة قتلاً للأمّة، وهذا الجرم أفظع وأنكى من قتل النّفوس وسرقة الفلوس. فكان لابدّ أن يقوم بواجب حماية لغته من كلّ ما يتال منها …

3 – تفعيل مقوّمات اللّغة العربيّة

إنّ التّفعيل والتّطوير يكونان بالاستعمال والتّطبيق. مع تحديث اللّغة على أسس منهجيّة تراعى فيها شروط التّطوير، بمعنى أوضح وأصرح: تكون تنمية الألفاظ بطريقة مدروسة، تبتعد عن الاعتباطيّة والعشوائيّة، وتكون مصحوبة بوعي تامٍ للعمليّة التّطويريّة، ومقرونة بمعرفة صحيحة بطرقها ومضاعفاتها، مع توخّي الحذر من الانزلاق والسّقوط في نقيض نتائج التّحديث. يجب أن يتمَّ تحديث اللّغة العربيّة بناءً على قواعد مؤسّسة وأصيلة وثابتة، تنبع من خصائص اللّغة العربيّة نفسها، وصادرة من الفكر الذي يحكم هذه اللّغة.

مثل ذلك يقال عن الأساليب الغريبة التي زاحمت نظيراتها في اللّغة العربيّة، فأقالتها عن موطنها وموضعها، فتشوّه البيان العربي، وفسدت أذواق النّاس، واختلط عليهم الأصيل الباني من الدّخيل الهادم.

4 – إشاعة التّعبير والنّطق الصّحيحين السّليمين باللّغة العربيّة

يجب العمل على إسماعَ النّاس الكلامَ العربي الفصيح، في مختلف المستويات والأصعدة والمناسبات والمجالات. لتلتقط الأذن الأصوات الصّحيحة التي تتلاءم مع النّسق العربي. ويطلب الحرص على تعميم ذلك والإكثار منه. والالتزام في الكتابة بالأسلوب العربي السّليم المبين. وتحاشي الأخطاء الإملائيّة في الكتابات التي تظهر في المحيط التي يتحرّك فيه ابن اللّغة العربيّة. وتجنّب الصّيغ التي لا تتوافق مع السَّنَن العربي في الكتابة. وفي ميدان التّعليم.

على المدرّسين أن يدرّسوا باللّغة العربيّة مهما تكن المادة التي يدرّسونها، وأن يتحرّوا النّطق السّليم لها. وعلى المسؤولين والقادة والسّاسة إتقان اللّغة العربيّة؛ لينطقوا بها سليمة صحيحة، فهم يمثّلون الواجهة والقدوة لمن يسوسونهم.

على المذيعين وهم يستقطبون جمهورًا عريضًا يستمع إليهم، ويشاهدهم ويتأثّر بهم ويقلّدهم أن يراعوا الذّمّة والوفاء والحرمة في اللّغة العربيّة، فلا يَتَجنَّوا عليها بالنطّق السّيّء بها، وبتهجين أساليبها، وتكسير صيغها …

بهذا يمكن أن يشيع التّحدّث والتّعبير باللّغة العربيّة، فتتعوّد الآذان سماع هذه اللّغة فتألفها، وتسارع الألسن إلى النّطق بها بدل اللّغات الأجنبيّة الدّخيلة. يقول عبد الإله نبهان: " إنّ العربيّة من أبرز عناصر هويّتنا، وأقوى مقوّمات وحدتنا، لذلك يجب بذل الغالي والنّفيس في سبيل تدعيمها وترسيخها. ومثل هذا لا يقوم به كتيّب ننشره، ولا جدول نصنع عنوانه: (قل ولا تقل). إنّ من ينهض باللّغة هو إشاعة التّعبير الصّحيح السّليم على ألسنة المتعلّمين والمذيعين والممثّلين، وعلى صفحات الجرائد والمجلاّت والكتب العامّة وكتب التّعليم .. وإنّ الإلحاح على تقديم المتعة

(1) - ينظر مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 198.

٢٨ / ٩١