اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٣٥

إنَّ هذا الخطّ القويّ الشّفاف الذي يربطه باللّغة (الأمّ)، هو سرّ مأساته، التي عبّر عنها فنًّا مبدعًا، شعرًا ورواية. وهو شيء يميّزه ويطبع أدبه بطابع خاصّ، يدلّك عليه، حتّى ولو لم يوقعه. يقول في مقدّمة روايته: " سأهبك غزالة: " اللّغة الفرنسيّة حاجز بيني وبين وطني، أشدّ وأقوى من حاجز البحر الأبيض المتوسّط، وأنا عاجز عن أن أعبّر بالعربيّة عمّا أشعر به بالعربيّة: إنّ الفرنسيّة لمنفاي."(1)

13 - المراسلات بين المصالح الإداريّة، وبينها وبين المواطنين تكون باللّغة العربيّة.

14 – العمل على نشرها، على نطاق واسع، داخل مواطنها وخارجها، والاهتمام بتعليمها لغير النّاطقين بها، ما داموا راغبين في تعلّمها، مهما يكن دافعهم إلى ذلك. إنّ إقبال غير العرب على تعلّم العربيّة يزداد يومًا بعد يوم، ومنهم من يحرص على تعلّمها، أو التّعامل معها بطرق علميّة. التقيت سنة 1996م في بغداد بدكتورة من كوريا الجنوبيّة، منحتها جامعتها، التي تدرّس فيها- وفي قسم اللّغة العربية بها – تفرّغًا لمدّة سنتين، التحقت بالجامعة الأردنيّة؛ لتعدّ قاموسا كوريًا عربيًّا، فتعينَ أهل بلدها على فهم اللّغة العربيّة، والتّعامل بها. وغير هذه التّجربة كثير.

ننقل ما سجّله الدّكتور خالد حسين أبو عمشة، معلّقًا على المؤتمر الدّولي لتعليم اللّغة العربيّة للنّاطقين بغيرها(2): "وما لفت الانتباه في تداولات المؤتمر كثرة الإقبال على تعلّم اللّغة العربيّة وتعليمها للنّاطقين بغيرها؛ إذ برز كثير من المهتمّين والمعنيّين في البلاد الغربيّة بذلك، تحقيقًا لأغراض سياسيّة واقتصاديّة ودبلوماسيّة، فضلا عن السّياحيّة، خاصّة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م. كما تزايد اهتمام قطاعات كبيرة من أبناء الشّعوب الإسلاميّة غير العربيّة بتعليم اللّغة العربيّة؛ لأسباب تتعلّق بالرّغبة في فهم القرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف، والتّواصل مع الشّعوب العربيّة من جهة، فضلا عن الأسباب الاقتصاديّة والسّياحيّة من جهة أخرى. كما لوحظ كثرة المراكز اللّغويّة التي أخذت على عاتقها مهمّة تعليم اللّغة العربيّة للنّاطقين بغيرها، وتنافسها في ذلك، سواء في البلاد العربيّة أم الأجنبيّة، الأمر الذي يبشّر بكلّ خير في الاهتمام بلغة القرآن، والقيام على نشرها، وتيسير تعليمها."(3)

إنّ هذه الملاحظة أو الانطباع يضاعفان من مسؤوليّة أبناء العربيّة، في القيام بالواجب خارج ديارهم، فلا يقبل لهم أيّ عذر في التّخلّي عنه. بل إنّ الظّروف مشجّعة على الإقدام بكلّ حماسة وقوّة، وبتخطيط ودراسة محكمة في السّير قدمًا في هذا السّبيل. إنّ هذا الاهتمام الكبير ممّن أَشرنا إليهم يقدّم درسًا لا ينسى، ويعطي تحذيرًا مبكتًا لكل من يهين لغته العربيّة في أوطانها بخاصّة ..

لماذا لا يكون لتجّارنا – مثلا الذين يجوبون ربوع العالم للتّجارة – ذلك الحسّ الدّيني، والمسؤوليّة الكاملة على مقوّماتهم، فيُرَحِّلون لغتَهم معهم إلى حيث يسافرون؛ لينشروها كما كان يفعل أجدادهم في القديم. الدين كانوا يحملون إلى جانب البضاعة تعاليم الإسلام ومقوّماته، وينشرونها أين يحلّون، وبذلك انتشر الإسلام، وتعلّم أهالي تلك الأوطان اللّغة العربيّة، وأبدعوا بها وأفادوا. فالصّين اليوم من البلدان التي يمكن القيام فيها بهذا العمل؛ نظرًا لكثرة تردّد

(1) - الدّكتور عبد الله ركيبي، عروبة الفكر والثّقافة أوّلاً، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1986م، ص: 121، 122.

(2) - انعقد بمركز اللّغات بالجامعة الأردنيّة، عمّان/ الأردن، في الفترة: 1 – 3 من جمادى الأولى 1429هالموافق 6 – 8 من أيّار 2008م.

(3) - مجلّة إسلاميّة المعرفة، ع 53، صيف 1429ه،/ 2008م، ص: 203، 204.

٣٣ / ٩١