اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٤٠

3 – هل تبحث المعادلة في حضور العربيّة في الفكر العالمي - حاليًّا – من غيابها؟

4 - هل تهدف إلى تسجيل تخلّف هذه اللّغة عن ركب الفكر العالمي؟ فيكون لزامًا البحث في عوامل هذا لتلافيها؟

5 – هل تطلب دراسة سبل النّهوض بها، وبعث أمجادها، وتصحيح مسارها … لتسهم في تطوير الحياة الفكريّة والثّقافيّة؟

مهما تكن الغاية من وضع هذا العنوان، ومهما يكن مضمون هذه الجملة، فإنّنا نسجّل أهميّة كلّ ما تثيره من موضوعات. هي في المحصّلة تبرز الاهتمام بخدمة هذه اللّغة، وتُبين عن أهميّتها؛ لما تثيره من مجموعة هذه الاهتمامات والأسئلة وغيرها.

نحن في هذه الدّراسة لا نتطرّق لهذه الموضوعات، ولا ندرس هذه العلاقة. إنّما نسجّل مكانة اللّغة العربيّة، وقيمتها ودورها في الحضارة الإنسانيّة، ودورها التي ستقوم به في مسيرة الفكر العالمي. ونركّز على البحث في الأسباب المعيقة لمسيرتها، ثمّ على دورها في الإسهام في سيرورة الفكر العالمي وتطوّره، عسى أن يمكّنها هذا من استرجاع مكانتها الرّائدة في الحضارة الإنسانيّة، وتتهيّأ لها الأجواء والمناخ كي تتطوّر وتقوم بدورها في هذه المسيرة. نعتمد في هذا البحث عرضَ أسئلة وأطروحات، تمهّد السّبيل للوصول إلى الخطوات التي تمكّنها وتساعدها على الاندماج في مسيرة الفكر العالمي بقوّة وبفاعليّة، كما كانت في زمن الخصب والازدهار. هذا التّناول وهذا العرض يبدأ بالتّذكير - باختصار – بمقوّماتها وقيمتها.

مكانة اللّغة العربيّة

1 – يقول الدّكتور إبراهيم بن مراد: " من أهمّ ميزات اللّغة العربيّة اليوم قِدَمُها، فهي تكاد تكون أقدم لغة حيّة مستعملة اليوم؛ لأنّ نصوصها المكتوبة تعود إلى أكثر من خمسة عشر قرنًا خلت، بينما لا يزيد عمر الإنقليزيّة أو الفرنسيّة أو الإسبانيّة على السّبعة أو الثّمانية قرون. فإنّ أنظمة هذه اللّغات الصّوتيّة والصّرفيّة والنّحويّة لم تكوّن إلاّ بين القرنين الثّالث عشر والرّابع عشر الميلاديين. ثمّ إنّ العربيّة قد بقيت على امتداد تاريخها الطّويل محافظة على وحدتها، فلم تتصدّع لتنقسم إلى لهجات، على غرار ما حدث للّغة اللاّتينيّة، ولم يطرأ على أصواتها وأبنيتها وتراكيبها تبدّل يذكر، ولم تنقسم – لذلك – إلى عربيّة قديمة وعربيّة حديثة، قد يستعصي القديم منها على فهم المحدثين."(1)

قيمة اللّغة العربيّة – حسب ما سجّل النّصّ – تكمن في:

أ – قِدَمها على كلّ اللّغات المتداولة اليوم في السّاحة العلميّة والثّقافيّة، بشكل واسع. كما أنّ الأنظمة الصّوتيّة والصّرفيّة والنّحويّة لهذه اللّغات المستعملة اليوم تأخّر تكوّنها إلى ما بعد استواء اللّغة العربيّة على سوقها، واكتملت لها بنيتها، التي حدّدت طبيعتها وهُويتَّها، لقد تأخّر ذلك بحوالي عشرة قرون كاملة.

ب – تمكّنت من المحافظة على وحدة تكوّنها، وانسجام تراكيبها؛ رغم العواصف التي تعرّضت لها، ومحاولة تقسيمها إلى لهجات ولغات محليّة، لسبب أو لآخر. فلم يكن فيها عربيّة قديمة وأخرى حديثة، كما حدث للّغات الأوروبيّة، بالرّغم من تكوّنها المتأخّر عن اللّغة العربيّة.

(1) - الدّكتور إبراهيم بن مراد، " مكانة اللّغة العربّة بين لغات العالم الواسعة الانتشار"، كتاب من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، إصدار المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم، تونس، 1990م، ص: 215.

٣٨ / ٩١