اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٤٨العلميّة الحديثة، ولا تساعد على فهم النّظريّات العلميّة المتطوّرة، وهي في رأي بعض دارسي العلوم الإنسانيّة عاجزة عن التّفاعل مع النّظريات الألسنيّة الحديثة."(1)
2 – ضعف الحماسة للّغة العربيّة
نتج عن العامل الأوّل مرض خطير على اللّغة العربيّة، هو ضعف الحماسة لها، وضعف العصبيّة القوميّة نحوها، لدى من يحمل ضدّها فكرة خاطئة عن حقيقتها وطبيعتها. هذا العنصر عائق كبير في استرجاع مكانتها، التي فقدتها؛ بسبب التّخلّي عن المحافظة عليها، وبالتّبع حرمت من حمايتها وصيانتها، فضلا عن مساعدتها على التّطوّر لتساير مسيرة الحياة المتجدّدة المتغيّرة بسرعة فائقة. فقد لجأ أصحاب هذا الرّأي إلى لغات أخرى وتحمّسوا لها، واندمجوا فيها وفي فكرها، وتركوا لغتهم الأمّ؛ انطلاقًا من هذا الزّعم. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: " جسّد الاعتزاز بالمنطوق الأجنبي حالة تغريب عن اللّغة القوميّة، فعكس العجز عن إتقان لغة العصر شعورًا بالنّقص، وإحساسًا بالعجز عن مواكبة التّطوّر العلمي والتّكنولوجي، وبلغت سيطرة اللّغات الأجنبيّة في بعض البلدان العربيّة درجة يعجز معها المتعلّم عن معرفة اللّفظ العلمي أو الأدبي، أو التّداولي اليومي في اللّغة العربيّة، وصارت المعرفة باللّغة العربيّة عند بعضهم مرادفة للجهل والأميّة."(2)
في الحقيقة إنّ هذا النّفور من اللّغة العربيّة، أو عدم التّحمّس لها، أو رفض قبول التّعامل بها؛ لغةَ اتّصال وتعلّم وتكوّن، ولغةَ انفتاح على العالم، ولغةَ اندماج مع الآخر، ولغةَ قضاء مآرب وبلوغ أهداف … إنّ كلّ هذا ناتج عن هاجس خوف أبنائها من: " العولمة التي غزت ديارهم وأهليهم، ومسّت قلوبهم الواجفة، وعقولهم الممسوسة … فصدّقوا ما قيل لهم، وطبّقوا ما أُملِيَ عليهم، وروّجوا ولوّحوا أنّ اللّغة العربيّة عاجزة عن استيعاب العلوم المعاصرة، وغير قادرة على مواكبة تطوّرات العصر المتساوقة المتلاحقة، فنبذوا لغتهم ظهريًّا، وقلبوا لها ظهر المِجنِّ، وسافروا وشرّقوا، وغرّبوا وغرّدوا خارج سربهم، وتغنّوا بغير ألحانهم، فكانت اللّغة العربيّة (الأمّ) هي الضّحيّة؛ إذ أصبحت عندهم من سقط المتاع، الذي لا يصلح لشيء … "(3)
هذه الانهزاميّة والخذلان يهدّدان اللّغة العربيّة؛ لأنّهما يمنعان أصحاب هذه اللّغة من معرفتها حقّ المعرفة، ويحجبان عنهم النّور الذي ينير دروب هذا الكيان، ليتعرّفوا على خصائصها وجماليّاتها، ويحجزان عنهم الرّؤية المستقبليّة لهذه اللّغة، ليصدروا عنها أحكامًا جائرة، تؤثّر على علاقتهم الإيجابيّة بها. هذا ما يضعهم في خانة المعادي لها، أو المحتقر لها، أو المستهين بقيمتها ومكانتها، فيصدّ عنها ويسير في وجهة معاكسة لمسارها. وبالتّبع لن يصدّق من يقول له: إنّ هذه اللّغة كانت عالميّة، وستبقى عالميّة، تحضن الفكر العالمي، وتنشر الثّقافة العالية، وتسهم في تطوير الحياة من حوله.
3 – تهميش المحيطِ اللّغةَ العربيّة في الحياة العامّة
(1) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 284.
(2) - المصدر السّابق، ص: 283.
(3) - الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، " راهن اللّغة العربيّة في أوطانها ومسؤولية أبنائها نحوها"، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 177، 178.