اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٤٩

تعاونت فئات كثيرة، وجماعات غير قليلة في تهميش اللّغة العربيّة في حياة المنتمين إليها، عن غير وعي أحيانًا، وعن جهل وسذاجة في أغلب الأحيان، وعن قصد وترصّد وسبق إصرار في كثير من الأحايين، وعن نيّة مبيّتة وتخطيط محكم للقضاء على هذه اللّغة في بعض الأوقات، وبعدها الإجهاز على الهويّة.

تعاون البيت والشّارع وبعض الهيئات المحسوبةِ رائدةً وموجّهةً وقائدةً للمجتمعات العربيّة والإسلاميّة، وتضافر على خنق اللّغة العربيّة وخلق مشاكل لها المؤسّساتُ التّربويّة والتّكوينيّة، والجمعيّات الثّقافيّة والرّياضيّة، وسفراءُ هذه اللّغة في المنتديات والتّجمّعات والتّظاهرات والاحتفالات … هل يمكن أن نقول مع الدّكتور عادل نوفل: إنّ اللّغة العربيّة ومعها ثقافتها التي تنتمي إليها أصبحتا مهدّدتين بالانقراض، ومن ثمّ فلا مطمع في إسهامهما في تطوير الفكر العالمي، أو إيجاد مكان لهما فيه: " لقد أصبحت اللّغة والثّقافة العربيّتان مهدّدتين لدى أغلب شرائح المجتمع، إمّا لأسباب الأميّة والفقر وانحسار دور الدّولة، أو لأسباب ثورة الاتّصالات التي ربطت نخبًا معيّنة بثقافات خارجيّة، من خلال المدرسة والمربيّة الأجنبيّة والأنترنيت والأقمار الصّناعيّة … "(1)

ماذا يبقى للّغة العربيّة من مساحة تنشط فيها؟ وكيف لها أن تبرز في ظلّ هذا الحصار المضروب عليها بإحكام وتحكّم؟ وأنّى لها أن تتخطّى عتبات محيطها لتحلّق في الفضاء العالمي، وهي تعاني هذا القهر والحيف والظّلم في وسطها، حتّى غدت غريبة في دارها؟ فمن يقبلها وعاء للفكر العالمي وقد أهانها أهلها ونبذوها، ورفضوها حاويةً لفكرهم، وحاملة لثقافتهم، وحامية لشخصيّتهم، وناقلة لمشاعرهم؟ ولنا أن نتساءل مع المتسائلين: ما هي مكانة اللّغة العربيّة ومكانها في ديارها؟ وما هو مستقبلها في أوطانها؟ وذلك قبل أن نبحث عن مكانها في العالم؟

4 – مزاحمة اللّهجات المحليّة للّغة العربيّة

إنّ اللّغة العربيّة وجدت ضرّات كثيرة في ساحتها وفي حرمها، أضرّت بوظيفتها ورسالتها، واصطدمت بمزاحمة شديدة من طفيليّات في فضائها الذي تتحرّك فيه، إنّها اللّهجات المحليّة التي ملأت حياة النّاس، وشغلت فكرهم، ومالوا إليها على حساب اللّغة العربيّة الفصيحة. بل تجاوز هذا إلى تبنّي مشروعات مدروسة لضربها وزحزحتها من الوجود؛ بإبعادها عن حياة النّاس. ويكون الخطر أكبر حين يكون التّدريس بها، حتّى فيما يتعلّق أو يتّصل بفروع اللّغة العربيّة نفسها، ويستفحل أكثر، حين تُستهدَف بالمناهج المسطّرة فئةُ الشّباب، الذين هم عماد المستقبل، ومحطّ آمال الأمّة في حمل مقوّماتها وقيمها. " عادة ما تصحب هذه الدّعواتِ مشروعاتٌ، تنال من اللّغة العربيّة، ويتمّ ذلك بالتّنسيق مع الجهات التي تكنّ عداءً للّغة العربيّة، وغالبًا ما تقصد الفئات الشّبانيّة، التي لا تكون محصّنة بالثّوابت والمقوّمات الحقيقيّة لشخصيّتها. من أسلحة هؤلاء تقديم معلومات خاطئة عن تاريخيّة هذه اللّغة، ودخولها إلى أوطانها. وكثيرًا ما توصف بأنّها جاءت مستعمِرة، ومزحزحة للّهجات التي كانت سائدة قبل مجيئها، ومنها تزويد المغرّر بهم بمعلومات مشوّهة لطبيعة اللّغة العربيّة، وهي عدم صلاحيتها لمواكبة التّطوّر والتّقدّم، بل هي من أسباب تأخّر الشّعوب التي تتمسّك بها، إلى غير ذلك من الادّعاءات الباطلة الغادرة، والهجمات السّافرة … "(2)

(1) - العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 762.

(2) - محمد بن قاسم ناصر بوحجام، " راهن اللّغة العربيّة في أوطانها ومسؤوليّة أبنائها نحوها "، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 188.

٤٧ / ٩١