اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٥٠يضيف الدّكتور عبد السّلام المسدّي همًّا آخر، يرتكبه المثقّفون، الذين هم الروّاد في نشر الثّقافة، والقدوة في السّلوك الحضاري، يتمثّل في مخاطبة الجمهور باللّهجات المحليّة كثيرًا، ممّا يرسّخ في أذهان المستمعين إليهم، وفي مدارك المتلقّين عنهم، أنّ ما يقومون به هو السّلوك الحسن، والطّريق الصّحيح، فيسيرون هم بدورهم في هذا الدّرب الضارّ باللّغة العربيّة. " إنّ المثقّف الذي يدير شأنه الفكري والأدبي والإبداعي بلغته القوميّة، وهو يخطّ ويكتب ويدوّن وينشر ويساجل، ثمّ إذا حاور أو ارتجل أو تحدّث عير أمواج الأثير أو على شاشات المرايا توسّل باللّهجة العاميّة، لهو مثقّف متواطئ على ذاته الثّقافيّة، ولا يعنيك منه ما قد يبدو عليه من نزعة المجهود الأدبي انسياقًا مع الكسل الذّهني، أو اتّقاء لركوب المحاذير، إنّه يهيّئ المشهد الأوّل من تراجيديّة الانتحار الجماعي."(1)
يعضد الدّكتور عبد الله محمد الغذامي هذا الرّأي، وينعى التّصرّف، ويضيف عنصرًا آخر في معضلة استعمال العاميّة على حساب اللّغة العربيّة الفصحى: " … غير أنّنا - اليوم – صرنا نشاهد بروز اللّهجات المحليّة (العاميّة)، وكأنّها لغة ثقافيّة رسميّة، وصرنا نسمع المسؤولين الكبار ونجوم المجتمع كالفنّانين والفنّانات والرّيّاضيّين يتحدّثون بالعاميّة. وفي هذا ضرر كبير؛ لأنّ هؤلاء يمثّلون رموزًا ونجومًا اجتماعيّة، يميل النّاس إلى تقليدهم في اللّباس والتّصرّفات وطرائق الكلام، وهذا يحسّن من شأن (العاميّة)، ويجعلها محبوبة ومقبولة، في حين تتراجع الفصحى إلى مقام خاصّ، ويجري تمثيلها عبر نماذج غير رمزيّة وغير نجوميّة."(2)
حين يغدو الوعاء هو اللّهجة المحليّة، وحين يكون رموز هذا الوعاء مثقّفين ونجومَ المجتمع، وحين يكون الانجذاب إلى هذه اللّهجة كبيرًا … فماذا يبقى للّغة العربيّة الفصيحة من فضاء تدرج فيه؟ وماذا يكون لها من دور في تنشيط الحياة العامّة؟ وكيف تتحرّك وسط هذا المجال الموبوء في بيئتها؟؟ فأنّى لها أن تقدّم شيئًا مهمًّا في رسالتها، فضلاً عن أن تتطوّر، أو أن تتقدّم خطوات إلى العالميّة؟ وكلّ ما في محيطها يعاكسها، ويضايقها، أو يتخلّى عنها إلى وسائط وأوساط أخرى؟
5 – الافتتان باللّغات الأجنبيّة
سلكَ الولوع باللّغات الأجنبيّة مجرًى خطيرًا على اللّغة العربيّة، وصل حدّ هجران اللّغة (الأمّ)، بعد رميها بالعقم وعدم الجدوى في عالم اليوم. يكاد هذا الدّاء يعمّ كلّ القطاعات، ويصيب كلّ الفئات، حتّى التي لا تحسن النّطق باللّغة الأجنبيّة، ولا التّعامل والإفادة منها، المهمّ أن يكون ذلك تقليعة عصريّة (غير مدروسة)، وتكون برهانًا على التّقدّم والتّطوّر … والخطر يكون عظيمًا حين يحدث هذا في المؤسّسات التّربويّة التّكوينيّة الموجِّهة المؤسِّسة للكيان، والمسؤولة عن وضع قواعد البناء والأركان. يقول الدّكتور أحمد بوطرفاية: " كما أنّ هذا الافتتان باللّغة الأجنبيّة أخذ نصيبه في قطاع التّربية والتّعليم، وصار الإنسان العربي يحرص على تعليم أطفاله اللّغات الأجنبيّة، وكانت المدارس الخاصّة سبّاقةً في ترسيخ هذا الاتّجاه، بل ذهبت إلى ما هو أخطر من ذلك، وصارت تقوم بتدريس المواد العلميّة بهذه اللّغة الأجنبيّة، وبهذا تمّ إقصاء اللّغة
(1) - مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين، ص: 340. ينظر أيضًا ص: 341.
(2) - الدّكتور عبد الله محمد الغذامي، " اللّغة العربيّة في مواجهة تحدّيات القرن العشرين"، المصدر السّابق، ص: 352.