اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٥١العربيّة، وإبعادها عن مكانتها الطّبيعيّة، وكذلك الحال بالنّسبة للتّعليم الرّسمي، وما يشتمل عليه من ازدواجيّة اللّغات في مراحله المختلفة في الأقطار العربيّة … "(1)
6 – انتشار التّعليم الخاصّ الأجنبي من دون استراتيجيّة
هذه المدارس الخاصّة غير ملتزمة بأصول الأوطان التي توجد فيها، وتترعرع وتتلمل وتتحرّك فيها، وغير مكترثة بمشاعر أهلها، تنتهج نهجًا يضرّ بالبلاد والعباد، ولا يهمّها سوى ما تراه متماشيًا مع مصالحها وأهدافها. من ذلك التّدريس باللّغة الأجنبيّة، مُقصية اللّغة العربيّة من مناهجها إقصاء كليًّا، أو جزئيًا، بما يضرّ بالهويّة وبالشّخصيّة. في غياب استراتيجيّة مدروسة محكمة من المسيّرين لشؤون التّربيّة والتّعليم في هذا البلد العربي أو ذاك. وقد يكون التّراخي منهم، وعدم مراقبة ما يحدث للّغة العربيّة وثقافتها من اضطهاد ونحرٍ ووأْدٍ في ديارها؛ لأسباب وعوامل ودوافع.
7 – تهميش اللّغة العربيّة في التّعليم العالي
للتّعليم العالي دور كبير في تخريج الكفاءات التي ترفع البلاد على قواعد، تكون الأساس الذي تنهض بها. هذه الطّاقات التي تسيّر الوطن وتوجّهه الوجهة التي يراد لها أن تكون عليه في مستقبل أيّامِ أيِّ بلد. هذا التّعليم وقع فيه انحراف من النّاحية الحضاريّة والثّقافيّة؛ بسبب تهميش مقوّم رئيس في البناء الحضاري الصّحيح، وهو اللّغة العربيّة. إذ همّشت، وفي بعض الميادين أقصيت نهائيًّا من التّكوين والإعداد. فأصبح أبناء اللّغة العربيّة يُعَدّون بغير اللّغة العربيّة؛ حتّى رسخت في أذهان الأجيال الصّاعدة المتلاحقة حقيقةٌ، هي: إنّه لا جدوى من اللّغة العربيّة، فلا مَقام لها في السّاحة الثّقافيّة، ولا مُقام لها في أرضهم. هذه معضلة ومشكلة تلحق الأذى باللّغة العربيّة أوّلا، وتمنعها من أن تنتقل إلى العالميّة ثانيًا، بهذا التّصرّف المشين المُهين للشّخصية الحقيقيّة.
يقول الدّكتور عادل نوفل: " تعدّ قضيّة تعريب التّعليم العالي في الوطن العربي من القضايا القوميّة الرّئيسة، وتؤكّد البحوث والدّراسات أنّ غربة التّعليم العالي عن واقعه العربي، وضعف ارتباطه بقضايا التّنمية، يمكن إرجاعها بالأساس إلى أنّه تعليم مستورد من ثقافات أخرى في محتواه ولغته … وما زالت قضيّة تعريب التّعليم العالي في محتواه ولغته قضيّة ثانويّة، لم تأخذ بعدها القومي؛ بالرّغم من طرحها في العديد من المؤتمرات، وعلى المستويات العليا، وبالرّغم من خطورة أبعادها ونتائجها، فإنّ دولة عربيّة واحدة فقط – سورية – قد خطت خطوات جادّة في طريق تعريب التّعليم كافّة، والتّعليم العالي منه بخاصّة، وبالرّغم من المشاكل والمعوّقات، التي تواجه هذه الجهود؛ بسبب فرديّة العمل، فإنّ النّتائج ستكون آثارها إيجابيّة على التّعليم السّوري بصفة خاصّة، والعربي بصفة عامّة."(2)
8– المغالاة في اشتراط إتقان اللّغة الأجنبيّة للعمل في البلاد العربيّة
بالرّغم من ضرورة إتقان اللّغة الأجنبيّة للعمل في بعض القطاعات، لضمان السّير الحسن للعمل فيها، إلاّ أنّ الشّطط في اشتراط هذا الإتقان، يُوجِد مشكلة حضاريّة، ويولّد أزمة هويّة، ويؤدّي إلى اختلال في الشّخصيّة؛ لأنّ الفرد العربي يعاني حرمانًا من الوظيفة في أرضه وداره، يأخذها عنه الأجنبيّ. فيسطو على حقّه. ويسبّب له عقدة نفسيّة، تجعل ابن البيئة يحمل قناعة أنّ الوجود الحقيقي هو للأجدى والأنفع، والارتباط يجب أن يكون بالأقوى؛ لأنّ