اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٥٢سنّة الحياة تمنح البقاء للأصلح والأقوى، فاللّغة الأجنبيّة قويّة وصالحة، واللّغة العربيّة بعيدة عن ذلك، فلماذا التّمسّك بها؟ يقول الدّكتور أحمد بوطرفاية: " وممّا يواجه اللّغة العربيّة في سوق العمل المغالاة في اشتراط إجادة اللّغة الإنجليزيّة أو الفرنسيّة في بعض البلدان: كتابة وقراءة وتحدّثًا من قبل الشّركات الأجنبيّة، وبعض المؤسّسات والشّركات الوطنيّة، إذ أصبح المواطن غريبًا لغويًّا في كثير من المؤسّسات والشّركات، وفي أماكن النّفع والخدمات العموميّة، كبعض المستشفيات والفنادق والمطاعم ووكالات السّفر والسّياحة، حيث يمكن القول إنّ المواطن أُجبر على تعلّم اللّغة الأجنبيّة كي يحصل على مطلوبه، وهذا وضع شاذٌّ، إذ المفروض أن تقع مسؤوليّة تعلّم اللّغة العربيّة على عاتق العامل الأجنبي، فهو الذي ينبغي أن يجيد لغة البلاد التي يعمل بها."(1)
9 - انعكاسات الفجوة الرّقميّة على تطوّر اللّغة العربيّة
ساعد انتشار تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات عند من يملكها، ومن يستخدمها بعناية وكفاية، على معالجة المعلومات بسرعة وتنقية عالية … وأمّده بإمكانات هائلة لتخزينها، والتّصرّف فيها بشكل جيّد، وبذلك طوّر من أدائه ونشاطه، وأعطى له ذلك قوّة التّحكّم في مجريات التّطوّر في الحياة العامّة … يقول الدّكتور منصور فرح عن الدّول التي تملك هذه التّكنولوجيا، إنّها مكّنتها " من السّيطرة على المعلومات والمعارف باستخدام التّقنيات الرّقميّة الحديثة، ممّا أدّى إلى تسارع لا مثيل له من قبل في الإنتاج الصّناعي والمعرفي المبني على التّجديد والإبداع. ومع توسّع شبكة الإنترنيت ووسائل الاتّصالات الرّقميّة المختلفة أخذت العولمة أبعادًا جديدة، جعلت الدّول الغنيّة تحكم سيطرتها على الدّول النّامية، من خلال ما بات يعرف بالاقتصاد المبني على المعرفة، وازدادت الهوّة بين الأغنيّاء والفقراء على جميع المستويات، ومنها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة والعلميّة."(2)
واضح ممّا أشار إليه الدّكتور أنّ سرعة امتلاك المعرفة، واستخدامها بشكل جيّد وممنهج في تطوير الحياة في مختلف نواحيها، وفرض الحضور في مجتمعات المعرفة، والسّاحات العلميّة بقوّة، وضمان عدم الزّحزحة عن ركب التّقدّم والتّطوّر … يتطلّب إتقان أساليب توليد المعرفة، وإعادة توليدها من جديد، ويكون هذا في دأب وعمل مستمرّ، مرتبط بمعطيات التّطوّر التّكنولوجي لوسائل الاتّصال المتجدّدة في كلّ لحظة وآن.
ما نصيب اللّغة العربيّة من ذلك؟ في الحقيقة إنّ الجواب مخجل ومحزن؛ لأنّ أهلها لم يعملوا على تطوير أساليب الاتّصال الحديثة، بما يمكّن هذه اللّغة من استيعاب المعارف الجديدة. ربّما يرجع هذا إلى كونهم لم يقتنعوا بجدواها وقدرتها على السّير في هذا الطّريق، كما بيّنا هذا في سياق سرد المشاكل والتّحدّيات التي تعاني منها من بنيها، الذين رموها بالعقم وبالنّقص وقلّة الجدوى. بهذه النّظرة وهذه الوضعية، لا يمكن لها أن تقترب من عتبة العالميّة، مع قدرتها على ذلك بجدارة واستحقاق.
ما نسجّله بكلّ حسرة وأسى هو أنّ الفجوة تزداد اتّساعًا بين ما للعربيّة من إمكانات وعناصر قويّة للتّطوّر واستخدام الوسائل الحديثة في الاتّصالات، وما يجب أن تحمله رسالةً، تقوم بها، لتضطلع بدور كبير في مسيرة الحركة
(1) - المصدر السّابق، ص: 773.
(2) - الدّكتور منصور فرح، " الفجوة الرّقميّة في المجتمع العربي وأثرها على اللّغة العربيّة "، مجلّة المجمع الجزائري للّغة العربيّة، س:3، ع: 6، ذي الحجّة 1428ه/ ديسمبر 2007م، ص: 79، 80. استُخدِم تعبير الفجوة الرّقميّة لأوّل مرّة سنة 1995م للدّلالة على هذه الهوّة الواسعة التي تفصل من يملك الأدوات الحديثة لتوليد المعرفة واستغلالها ونشرها ومن لا يتسنّى له ذلك … ينظر المصدر نفسه، ص: 80.