اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٦٩الكتّاب والشّعراء ضرورة الالتفاف حول اللّغة العربيّة والاحتماء بها للمحافظة على الكيان والذّات، والابتعاد عن مزالق الانسلاخ والذّوبان والتّنكُّر للأصول.
من التّجارب التي يمكن الاستشهاد بها في هذا المجال تجربة الشّعر الجزائري، الذي استلهم القرآن الكريم في الأفكار والمعاني واللّغة والصّورة والرّمز والموسيقى، وبخاصّة إبّان معركة الدّفاع عن الذّات والشّخصيّة. فالدّارس لهذه التّجربة يمكن له أن يخرج بنتيجة واحدة وهي: إنّ الاقتباس من لغة القرآن ظاهرة بارزة في الشّعر الجزائري، بخاصّة في فترة ما قبل الاستقلال، والاهتمام باللّغة العربيّة كان سمة واضحة أيضا. السّؤال الذي يفرض نفسه هو: ما هي الأسباب والعوامل التي أدّت إلى وجود هذه الظّاهرة؟ وما هي الأهداف المتوخاة من هذا السّلوك؟
الأسباب متعدّدة، بعضها ذاتي يرجع إلى الثّقافة الشّخصية، وبعضها اجتماعي نفسي يرجع إلى الشّعور بالغربة الثّقافيّة في مجتمع عربي مسلم، وبعضها سياسي، يرجع إلى الظّروف العامّة التي كان يعيشها المجتمع؛ بسبب تصرّفات المستعمر في التّزييف والتّشويه ومحاربة الهويّة الوطنيّة، وطمس الشّخصيّة الإسلاميّة، وبسبب التّغريب الذي كان يدعو إليه دعاة الادماج والتّجنيس. وبعضها يرجع إلى واقع النّقد الأدبي الذي هو في علاقة جدليّة مع الحركة الشّعريّة.
1 ـــــــ عن السّبب الأوّل: فإنّ جلّ الشّعراء تعلّم في الكتاتيب والزّوايا، وفي مدارس الجماعات الإصلاحيّة، ومدارس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، التي كانت ثقافتها دينيّة قرآنيّة محضة، وعربيّة خالصة. كما مارس معظمهم مهنة التّدريس، وتعليم القرآن والحديث النّبويِّ وقواعد اللّغة العربيّة. وزاول كثير منهم مهمّة الوعظ والإرشاد في المساجد. فكانوا مع القرآن صباح مساء، يحفظونه ويلقّنونه ويفسّرونه، ويستنبطونه منه الأحكام، ومع القواعد يحفظون متونها، ويتنافسون في ذلك … فكان لا بدّ أن يكون لهذا المخزون أثر في تعبيراتهم، ولهذا المحفوظ من القواعد والأنماط انعكاساته في كتاباتهم؛ لأنّ:" السّلوك اللّغوي الآلي ينمُّ عن وجود بقايا من القواعد التي تعلّمناها وحفظناها، حتّى أصبحت فينا عادات راسخة." (4) والشّاعر يكتب بوحي من الثّقافة التي تلقّاها في صباه، وترعرع فيها في شبابه، ووفقا لطبيعة الجمهور الذي يخاطبه.
2 - شعر هؤلاء الشّعراء بالغربة الثّافيّة في بلادهم؛ وقد كانت الثّقافة الدّينيّة ضعيفة: غلوّا في الجمود، أو إفراطا في التّحلُّل من الدّين، أو الدّعوة إلى الاندماج والتّجنيس والانقطاع عن الماضي والارتماء في أحضان المدنيّة الغربيّة، مع ضعف في اللّغة العربيّة؛ بسبب ما مرَّت به هذه اللّغة في فترات الجمود والانحطاط، وبسبب انعدام مراكز التّعليم والتّكوين أو قلَّتِها.