اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٧٠كان الشّعراء يحسّون بخطر داهم يهدِّد اللّغة العربيّة والإسلام بالتّبع، فعملوا على تدارك الأمر وإنقاذ المواقف، واتخاذ أيّة وسيلة في هذا المجال، فهداهم تفكيرهم إلى سلوك مسلك عملي، يتمثّل في محاكاة الأساليب البيانيّة العالية كالقرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف والأدب العربي الرفيع … فكان الدّافع اجتماعيًّا دينيّا هو إنقاذ الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، ونفسيًّا هو الخروج من الغربة، بمحاولة الارتباط بالأصول الحقيقيّة، والاغتراف من المنابع الصّافية.
3 - هذا السّلوك هو تعبير عن موقف سياسي تجاه مؤامرات المستعمر الفرنسي الهادفة إلى تشويه الثّقافة العربيّة، وطمس الشخصيّة الإسلاميّة؛ وذلك بمحاربة اللّغة العربيّة، واضطهاد المعلّمين، وعدّ من يعلّم العربيّة مجرما، مخالفا للقانون، يدان على جريمته.
كان الشّعراء قد فهموا من الهجوم على اللّغة العربيّة أنّ ذلك محاربة للهويّة الإسلاميذة، وللانتماء العربي، لهذا قاوموا هذا التيّار، الذي كان يرمي إلى الإنقاص من قيمة اللّغة العربيّة، ويعمد إلى قطع الصّلة بينها وأصولها ومنابعها، فكان الرّجوع إلى القرآن ضرورة تمليها طبيعة المعركة الضّارية من أجل البقاء. لهذه الاعتبارات كان موقف الشّعراء - وهم يستنجدون بلغة القرآن، ويولون الاهتمام للغة العربيّة- موقفا سياسيًّا؛ فيه الدِّفاع، وفيه الحماية. قال الدكتور محمد ناصر:" … وما من شكٍّ في أنّ الحفاظ على اللّغة العربيّة في الإنتاج الفكري والأدبي، كان هدفا من أهداف الحركة الإصلاحيّة. فإنّ هذا الموقف لم يكتسب بُعدًا ثقافيّا واجتماعيّا أو دينيًّا فحسب، وإنَّما اكتسب أيضا بُعْدا سياسيًّا. فقد كان الحرص على بقاء اللّغة العربيّة في الألسنة فصيحةً نقيَّةً جزءًا من الحرص على المقوِّمات الاساسيّة للشّخصيّة الجزائريّة أمام أفواج الفرنسة والمسخ." (5)
4 - العامل السّابق أدّى إلى ظاهرة أخرى هي الاهتمام باللّغة العربيّة من حيث هي تراكيب وصيغ معدّة للتّعبير، وعدّها قواعد، يجب أن تتقن، حتَّى يوضع حدّ للفوضى اللّغويّة، التي كانت سائدة، والتي أدّت إلى تشويهها، بسبب عدم التّمكُّن من ضبط قواعدها، فصعَّب ذلك من مهمّة تعلّمها، فعزف عنها النّاس؛ ممَّا حدا بالنّقاد إلى فرض صرامة شديدة على الكتابة الأدبيّة، وممارسة نقد مسلّط أساسا على المادة اللّغويّة. كانوا مهتمِّين بتصحيح الاخطاء اللّغوية: نحوا وصرفا وبلاغة … وكانوا حريصين على تقديم نماذج للاستغلال الحسن للّغة، التي لا تتوفَّر – في نظرهم- إلّا في القرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف والأدب العربي القديم.
هذه الطّريقة التي التزمها النّقاد انعكست على نتاج الشّعراء؛ فصبوا هم أنفسُهم اهتمامهم على اللّغة والأساليب، يختارون منها الجزلة القويَّة، مع محاولة تجنُّبِ الوقوع في الأخطاء اللّغويّة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا؛ فقصدوا المنابع الأصيلة، وعلى رأسها القرآن الكريم.