اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٧١مجمل القول: إنّ الشّعراء الجزائريّين حين اغتنوا باللّغة العربيّة، وحين اقتبسوا من أغنى مصدر لها، هم في الحقيقة كانوا يحاولون التّعرّف على ذواتهم وإِنياَّتهم، وكانوا يصرّون على إنقاذ شخصيّتهم العربيّة الإسلاميّة من براثن الاستعمار والباغي الدّخيل، الذي يريد استلاب الثّقافة الإسلاميّة، وإذابتها في بوتقة الحضارة الغربيّة.
بهذا يتبيذن أنّ اللّغة العربيّة هي أفضل الوسائل لمعرفة حقيقة الشّخصيّة الإسلاميّة. إنّها الوعاء الذي يحفظ مقوِّماتها، بل هي كما يقول محمد المبارك:" فرضت علينا من حيث نشعر ولا نشعر قوالب فكريّة، ومفاهيم وآراء وعواطف. فهي البيئة الفكريّة التي نعيش فيه، كما نعيش في أرضنا بجبالها وسهولها وصحرائها وغيطانها، ولا شكّ انّ البيئة الفكريّة أشدّ أثرًا من البيئة الأرضيّة في العقول والنّفوس." (6)
هذه تجربة الشّعر الجزائري في المحافظة على اللّغة العربيّة، وإحيائها في النّفوس، ونشرها في الكتابة صحيحة سليمة، وفي ردّ الاعتبار لها، وإحلالها مكانها الحقيقي اللاّئق بها. كلّ ذلك كان عن طريق الاقتباس من القرآن الكريم.
ألا يمكن سلوك الطّريقة نفسها في زمننا الحاضر، إذ أنّ اللّغة العربيّة تتعرَّض لكثير من المخاطر التي تعرّضت لها قبل سنوات، حين كان الاستعمار متسلِّطًا على رقاب المسلمين، متحكِّمًا في فكرهم وعقيدتهم ولغتهم وأدبهم. فما تزال اللّغة العربيّة تتلقَّى الضَّربات تلو الضّربات، من أبنائها ومن غيرهم، توصف بأنها عقيمة، تُهمّش في الأحاديث اليوميّة، تُشوّه في الكتابات، تّذَلّ في المنتديات العامّة، يُزهَّد فيها النّشء، تُحجَّم في المناهج الدّراسيّة، يُعتدَى عليها وعلى قواعدها في وسائل الإعلام … فهي تشعر بالإهانة في دارها، وتحسّ بالغربة بين أهلها.
لعلّنا لو وقفنا على ما كانت عليه اللّغة العربيّة في الجزائر إبّان الاستعمار الفرنسي، وعرفنا كيف تعامل معها الشّعراء بخاصّة، وكيف وظّفوا القرآن في سبيل إنقاذها وإنقاذ الأجيال من الاستلاب الثقافي، ومن الضّعف اللّغوي، واقتفينا أثرهم لحفظنا لغتنا وثقافتنا من هذه الاعتداءات، وحافظنا عليها مقوّمًا لشخصيّتنا، وملهمًا مهمًّا لإبداعاتنا وتفكيرنا. (7)
والله ولي التّوفيق.
الهوامش
1 - الدّكتور عز الدّين اسماعيل، الشّعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنيّة والمعنويّة، ص: 175.
2 - الدّكتور محمد غنيمي هلال، النّقد الأدبي الحديث، ص:33.
3 - الشّعر العربي المعاصر، ص:174.
4 - الدّكتور حنفي، ابن عيسى، محاضرات في علم النّفس اللّغوي، ص:294.