اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٧٣علماء أوروبا في القرون الوسطى لا يصلح أن يكون بوّابا لإحدى مكتبات بغداد. الفترة التي تشير إليها الكاتبة الألمانيّة، هي عصر الدّولة العبّاسيّة ..
هذه اللّغة أنتجت علماء كثيرين، لم يجد " ويل ديورانت" صاحب كناب " قصّة الحضارة " كيف يحصيهم عددا، أو يعدّهم عدّا، إلاّ أن يقول: إنّ عدد العلماء المسلمين لا يقلّ عن عدد الأعمدة الموجودة في كامل المساجد الممتدّة بين سمرقند بآسيا الوسطى إلى قرطبة في الأندلس …
هذا الإرث العلمي الكبير، وهذا الإبداع العظيم لم يحصل، ولم يكتب إلاّ باللّغة العربيّة. فماذا يقول من للحقائق يدابر، ومن للحقّ يكابر، ومن بالمشاعر يتاجر؟ إنّ اللغّة العربيّة لم تكن عاجزة عن الاكتشاف والإبداع، ولن تكون قاصرة عن احتلال الصّدارة في التّطوير والاختراع، ودفع حركة الابتكار إلى الأمام باعا بباع. وقد صدق الشّاعر حافظ إبراهيم حين قال عن اللّغة العربيّة:
وسعتُ كتاب الله لفظا وغاية … وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة … وتنسيق أسماء لمخترعات
أنا البحرُ في أحشائه الدّرّ كامنٌ … فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي؟
إنّ اللّغة العربيّة لم يكن لها دور ثانوي في الحركة العلميّة، بل كان لها الفضل الكبير في التّقدّم العلمي. لكنّها اليوم أصبحت تتمتّع بالفشل في إحراز الفضل، وتوفير الازدهار والتّقدّم، لا لعجز فيها، ولا لقصور في طبيعتها، ولكن لضعف حامليها، ووهن حاميها.
فحين ضعف فينا الحافز الإيماني لتعلّم اللّغة العربيّة، وحين فقدنا الوازع القومي للدّفاع عنها، وحين تكرّست فينا روح التّبعيّة، وحين سَكَنَنَا هاجسُ الخوف من الغول المسيطر على حياتنا، وحين َرِكَبْتَنا عقدة سحب الثّقة من إمكاناتنا وقوّاتنا، وحين انطلت علينا مؤامرة الاستسلام للواقع المفروض علينا، وأنّنا لن نستطيع الانفصال عن اللّغات الأخرى، التي تملك زمام تسيير الحياة كما تريد؛ انطلاقا ممّا تتوفّر عليها هذه اللّغات من القوّة والمميّزات الغنيّة، وهو ما تفقده لغتنا المظلومة، وحين تخلّى مسؤولونا عن فسح المجال للّغة العربيّة كي تبرز بمستوى القوّة التي تملكها، في المحافل العامّة، وتقاعسوا عن توفير الإمكانات الضروريّة كي تبدع وتسهم في المجالات العلميّة، وحين فتحت الأبواب على مصاريعها للّهجات المحليّة كي تزاحم اللّغة العربيّة في احتلال مكان الاهتمام في نفوسنا،، وحين صوّرنا لأبنائنا – بتصرّفاتنا وسلوكنا – أنّ اللّغة العربيّة قد ولّت وأدبرت، من خلال إعلامنا، ومناهجنا وبرامجنا المختلفة، ومن خلال تربيتنا التي تعاني خللا كبيرا في تجسيد حقيقة فلسفة الأمّة التي ننتمي إليها. وحين حرمنا ناشئتنا من معرفة تاريخ هذه اللّغة في أوج ازدهارها، وضيّعنا عليهم فرصة الاطّلاع على إنجازات هذه اللّغة في المجال العلمي والتّكنولوجيا؛ حتّى يكون لهم ذلك حافزا لاسترجاع الثّقة بأنفسهم، ولمعرفة ما يكمن في لغتهم من عناصر القوّة … وحين تخلّى