اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٧٨

في نظره وببساطة – لغة لا تنفع في ميدان التّجارة، والتّجارة مهارة وشطارة، بينما لغة الدّخيل والمستعمر هي التي تمثّل قمّة الحضارة؛ لذا فهي عند التّفكير السّديد، والنّظر البعيد الأجدى، فهي تعطي أجرًا أوفر وحظًّا أوفى …

إذا حلّت السّنة الجديدة، يتسارع النّاس ويتسابقون في إعداد هدايا من الأقلام والمفكّرات والمحافظ واليّوميّات وغيرها لتقديمها إلى الزّبائن والزّائرين والأصدقاء … هنا يرى أصحاب الشّهامة والفخامة، والسعادة والسّيادة، أنّ الذّكاء والكياسة، والفطنة والسّياسة … تدعو وترشد إلى اختيار الوسيلة المثلى للظّهور بالمظهر اللاّئق بالمقام، المشرّف للموقف الهمام، المتمثّل في اختيار اللّغة التي تسجّل على هذه الهدايا السّنِيَّة، وهذه البضاعة الغالية. طبعًا يجب أن تكون اللّغةَ الرّاقيةَ الرّائقةَ، الشّيّقةَ الأنيقةَ، وليست اللّغةَ الميّتةَ الوضيعة المهينةَ العتيقةَ … تكون لغة موليير وفولتير، ولن تكون لغة الخليل بن أحمد وسيبويه وجرير. فلتكن اللّغةَ التي تذبح الأصالة، وتسلخ الهويَّة، وتبعد السّيادة وتهين الكرامة. وليست اللّغةَ التي تُبْقِي على المروءة والعزّة وتحفظ الشّهامة.

حين تريد الأمّ شراء ألبسة لأبنائها، عقلُها لا يرَى، وقلبُها لا يرضى، ونفسُها لا تهوى سوى الألبسة التي تحمل أمامها وخلفها وما بينهما الحروف اللاّتينيّة. فتلبسها أولادها، الذين يجوسون بها خلال الدّيار، ويجوبون الشّوارع، وينتقلون فيها بين النّاس، مبشّرين بمستقبل زاهر واعد بوأد الأصالة، ونسف المروءة، وقطع الصّلة بالأصول، مهلّلين بموقع جيّد حسن طيّب مريح للثّقافة الدّخيلة، التي أخرجها الآباء من الأبواب الضّيّقة، لتعود وتدخل من الأبواب الواسعة المفتوحة مع الأبناء البررة لتضحيّات آبائهم في سبيل استرجاع الكرامة، وحفظ الأصالة …

إذا اقتنى بعضهم سيّارة فخمة أو وضيعة، كبيرة أو صغيرة، تجاريّة أو خاصّة … يكبر عليه أن يهينها بكتابة حروف عربيّة عليها، فهو يرى في هذا التّصرّف المشين مساسًا بكبريّائه، ونيلا من حرمة سيارته. إنّ الذي يعرف قدرها، ويكافي مكانتها هو الحرف اللاّتيني المقدّس المبجّل، وليس الحرف العربي المعطّل … وإذا ما أراد بيعها لجأ إلى لفظة: " A VENDRE " هكذا يكتبها بحروف بارزة، لتكشف عن عظمته وقدره. ويأنفُ أن يكتب عليها " للبيع " لأنّها لا تفيد في الرّيعِ. إنّها تحطّ من قيمته، وتعطّل له مصالحه.

إذا أقيمت تظاهرات كبيرة، ومهراجانات ضخمة، طُرِدَت اللّغة العربيّة من لافتات الإشهار شرّ طرد، ومنعت من البروز في الواجهات، وحُرمت من تَبَوُّؤِ مقعد لها في سير هذه التّظاهرات؛ لأنّها بصراحة أو بوقاحة لا يمكنها أن تنافس ضرّاتها من اللّغات الأخرى في امتلاك قلوب عشّاق الاغتراب والتّنكّر للأصالة، والاغتراف من المنهل المعادي للأصول. وهي ببساطة – أيضًا – لا تملك قوّة إرضاء من يأتون من بعيد لينحروا مروءتنا، وينخروا كياننا، وينشروا الميوعة فينا. فالذّكاء يقتضي اختيار الوسيلة المناسبة للموقف المناسب.

إذا تقدّم مسؤول ليحدّث النّاس والعالم باللّغة العربيّة، حمل معه معاول ليحطّمها، واصطحب معه فؤوسًا ليهشّمها، بما يأتيه من أخطاء فاحشة، وما يرتكب في حقّها من جنح وجنايات، في قواعدها وعباراتها وصيغها عشيّة وصباحا، فلا يرى في ذلك حرجًا ولا جناحًا. ولا يمكن أن يأتي بعشر معشارَ ذلك في لغة من أذلّ شعبه، وسلب سيادته، وهدّ كيانه، وأخذ لبّه.

إذا قدَّم عالم متكوّن، أو طبيب ماهر، أو مهندس قدير كلمة أو محاضرة أو نصيحة … إلى جمهوره اعتذر له أنّه لا يحسن اللّغة العربيّة، فليعذره إذا حدّثه بلغة لا يفهمها ولا يرضاها ولا يقبلها تدخل بيته، بصورة السّالب أصالتَه،

٧٦ / ٩١