اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٧٩والدّائس على كرامته. فيكون العذر أقبح من الذّنب. لقد غدا مثل هذا الاعتذار سمة جزائريّة، الجزائريّون فيه بدع من بقيّة الشّعوب العربيّة، أخذوا فيها شهادة تقدير، مع التّهنئة والشّكر والامتنان.
يعيش المرء منّا غريبًا في داره، بلغته التي يعتزّ بها ويفخر، وبلسانه العربي الذي إليه ينتمي، ومنه ينحدر. يصطدم في وطنه بتصرّفات غريبة وهو يتعامل مع أبناء جلدته وبني أرومته. ويُواجَهُ بأنواع من السّلوك التي لا يعيها العقل، ولا تقبلها الفطرة. فالشّارع لا يحسن اللّغة العربيّة، والإدارة لا تتقنها، والمؤسّسات الثّقافيّة لا تعتني بها كما ينبغي، ومراكز التّكوين لا تعلّمها كما يجب. والإعلام يقترف في حقّها جرائم وجرائر لا تغتفر. والأسرة لا تولي لها اهتمامًا. فلا عجب إذن أن تصل الطّالبة إلى أعلى محطّات التّعلّم وهي الجامعة، فتعتذر لأستاذها عن ضعفها في اللّغة العربيّة، وهي تنتمي إلى قسم اللّغة العربيّة، وترجوه أن ينظر إليها بعين الشّفقة والرّحمة، فيتجاوز عن زلاّتها، ويغفر لها ما تبديه من ضعف فيها، ويسمح لها بالنّجاح في الامتحان: امتحان إثبات الرّداءة، والدّوس على اللّغة، وامتحان الإسهام في القضاء عليها في وطنها، والتّخلّي عنها وعاءً للفكر، ومقوّمًا للشّخصيّة والكيان، وصمّام الأمان من الاستلاب؟ وأداة للتّوصيل والتّبليغ … إنّ هذه الطّالبة تريد أن تكتب باللّغة العربيّة في اللّغة العربيّة بما ليس من اللّغة العربيّة. وهو منطق كثير من أبناء هذه اللّغة وقدرتهم وطاقتهم …
إنّ اللّغة العربيّة هي هويُّتنا القوميّة. وهي عنوان شخصيّتنا، وهي معلم سيادتنا، ومؤشّر بقائنا وقوّتنا بمميّزاتنا وخصائصنا، واستقلالنا وحريّتنا؛ لذا يجب أن نعيد لها سيرتها الأولى في الغنى والقوّة والسّيادة والرّيادة والقيادة، والفعاليّة والنّفع وأخذ مكانها في مسار حركة تطوّر الفكر الإنساني. وأن نضمّها تحت جناحنا؛ لتخرج بيضاء من غير سوء في مضمونها، وطبيعتها وقيمتها … وهو ما كانت تتمتّع به في زمن القوّة والازدهار والاستقرار.
يتطلّب منّا هذا اعتمادها في جميع مراحل التّعليم وتخصّصاته، وفي مختلف أجهزة الإدارة والإعلام والمصالح العامّة، وفي المجالات التي تحتكّ بها الجماهير وتتحرّك في نشاطها اليومي. هذه هي الإرادة والتّخطيط والسّياسة التي تضمن انتشار اللّغة العربيّة، واستعادة مكانتها، ودورها الرّيادي في الفكر الإنساني، وإسهامها الإيجابي في الحضارة الإنسانيّة كما كانت من قبل.
جاء في بيان عَمّان في الدّورة الأولى التي عقدها مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشّؤون الثّقافيّة في الوطن العربي، الذي نظّمته المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم: " وجوب العمل على تعميم استعمال اللّغة العربيّة لغةً للتّعليم في جميع مراحله، وبجميع أنواعه، وفي البحث العلمي، ووسائل الإعلام والثّقافة. باعتبار اللّغة العربيّة القوميّة هي أهمّ دعامة الوحدة. وهي الوعاء الصّحيح للثّقافة الأصيلة للأمّة. وإنّ أصالة التّفكير العلمي لا تترسّخ في الأمّة إلاّ من خلال لغتها."
فأين تطبيق هذا النّداء، وتجسيد هذا البيان، وتنفيذ هذه السّياسة في الواقع؟ وما هو دورنا ومسؤوليّتنا عن تردّي أوضاع اللّغة العربيّة في بلادنا في غياب التّكفّل الكامل بها؟ فلنعلم ولنفقه أنّنا مسؤولون شرعًا وطبعًا، وإنسانيًّا وحضاريًّا على الاحتفاء باللّغة العربيّة، وتوفير ظروف انتشارها واستعمالها في الحقل المعرفي، وتنمية الثّقافة الصّحيحة، وتطوير الحضارة الإنسانيّة. يقول الإمام أبو منصور الثّعالبي: " من أحبَّ اللهَ أحبَّ رسوله المصطفى صلّى الله عليه