Alsaidia_400_Modified
الجزء ١ · صفحة ١١وظلت هذه الجماعة تشعر تجاه هذا اللقب بالثقة حتى ارتبطت به أعمال عنف لا ترتبط بالشرع الإسلامي، فبدأت بعض فرق المحكمة تتحفظ عليه ومنها الأباضية (9). بدأ الإمام (علي) يحاول ضم الجماعة من جديد، وجمع شمل رفاقه بالأمس، لكنهم رفضوا ذلك، بعد أن ظهرت إلى الوجود قيام إمامة حسب. ما يقتضيه الشرع بعد أحداث صفين وترتب على ذلك توتر بين الطرفين، أصدقاء الأمس. فوقعت بينهما معركة شديدة، أتت على جماعة المحكمة بالهزيمة القاسية. وإذا كانت صفين قد أثرت في توجهات الأحداث للمسلمين فيما بعد. فإن النهروان بدأت هي الأخرى تتحكم في مسار جماعتها بعد ذلك.
•
ذلك أن أحد رجالاتها الناجين، وهو أبو بلال مرداس، ازداد إصراراً على مبادئه، ولكن بأسلوب جديد يتناسب مع ظروفه فتسلل إلى البصرة وأخذ ينشر أفكاره بين الناس خفية، وكانت تلك المرحلة بداية جديدة لرحلة كفاح المحكمة، حيث انتشرت أفكارهم، وترسخت مبادئهم وخاصة بين قطاعات كثيرة من المسلمين، وفي مناطق متنوعة من العالم الإسلامي وانضم إليهم الكثير من العلماء وزعماء القبائل، وكان من بين هؤلاء جابر بن زيد، وعبد الله بن أباض. اللذان أثرا في مسيرة الحركة في الربع الأخير من القرن الأول الهجري. ولما توفى أبو بلال. بدأ الإنقسام بين رجاله حول الأسلوب الأمثل لتطبيق أفكارهم، فوقع الإنقسام سنة 64 هجرية / 683. م، وتعددت الفرق ومنها الأباضية. ومثلت البصرة، المدينة المتلاطمة الأمواج والمختلفة الأهواء قاعدة ثابتة لجماعة المحكمة وخاصة الأباضية، حتى النصف الثاني من القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي. وتربى في كنفها أئمة الحركة فيما بعد وأعداد كثيرة من الدعاة وحملة العلم.
ويبدو أن فرقة الأباضية، كإحدى فرق المحكمة، كانت أكثر من زميلاتها إدراكا لتطورات التاريخ الإسلامي، وأقدر من غيرها على التكيف مع المتطلبات الجديدة. كما كانت أوسعها انتشارا في شتى أرجاء العالم الإسلامي، مشرقه ومغربه، حتى ظهر لها أكثر من أربع إمامات في مناطق متعددة من العالم الإسلامي (6)، وفي فترة زمنية متقاربة.
كانت تلك الجماعة تقوم على تخطيط وتنظيم دقيق، ينبع في المركز، ويظهر أثاره في أطراف العالم الإسلامي، وتمكن هذا التنظيم، الذي اتخذ البصرة نقطة له، أن يربط أتباعه في عمان. وفي الحجاز، وفي حضرموت، وفي اليمن، وفي بلاد المغرب، وفي خراسان، برباط قوي منظم. وأصبحت العلاقة بين الإمام وحملة علمه في الأمصار علاقة الرأس بالجسد الواحد. بحيث كانت قيادة البصرة ملجأ لجميع الأتباع.
واحتلت عمان، مكانتها المميزة في هذا الجسد الدقيق، أفرادا، وزعامات، وقبائل، ومكنتها ظروفها الطبيعية والاقتصادية والبشرية أن ترث زعامة الأباضية، وأن تكون قلعة للجماعة ومكانا متمسكاً بأفكارها، حتى أصبحت كلمة الأباضية، مرتبطة في أذهان الناس، بعمان، حتى
-11 -