عُمان والحركة الإباضية محمد قرقش [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_400_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٢١

وقد أثر موقع عمان على انتشار الفكر الأباضي فيما يلي: 1 - تقوية الحركة الأباضية بالبصرة وفي عمان من الناحية المادية والمالية ودعم أتباعها، بل تشير المصادر الأباضية إلى أن زعماء الدعوة في البصرة كان هدفهم منذ البداية خلق مجتمع متماسك تسوده المحبة والألفة والتعاون (33)، ولذلك فقد أصبح أغنياء الدعوة عوناً لمن يحتاج من اتباعها، وذكرت الروايات الأباضية أن المساعدات والهبات والصدقات كانت تنهال على المحتاجين من أتباع الأباضية في المناسبات الدينية (34)، فيذكر أبو سفيان في السير أن الرجل ليأتي بالجمال حتى يقف على باب الدار فيقول أدخل فيكتب في خرقة كلوا واطعموا كما كان بعض أغنياء الأباضية يستأجرون الأكسية في البرد الشديد ثم يفرقونها بين الفقراء، وكان أغنياء الأباضية يتسابقون في دفع الديون المتبقية على من يموت من أصحابهم (35).

وقد رتب أبو عبيدة الأمور المالية بين المركز الأساسي وبين مراكزه في الخارج، فأنشأ بيت المال وجعل مصدره ضريبة يفرضها على أتباعه كل حسب قدرته وحالته، بالإضافة إلى التبرعات التي تجمع من كبار الأغنياء التابعين لحركته، وجعل أبو مودود حاجب الطائي، مسؤولاً عن الأمور المالية والعسكرية، خاصة وأن هناك مناطق للدعوة تحتاج إلى معونات مادية أو عسكرية في بعض الأحيان (3).

2 - وكان من أثر هذا الموقع الهام للسواحل العمانية بقربها من البصرة ووقوعها على طرق التجارة أن أصبحت عمان وأهلها تستطيع الوقوف في وجه أي حصار اقتصادي محتمل من قبل الحكومة المركزية لأنها منفتحة على العالم الخارجي مباشرة، كما أنها تمتلك مورداً مستقلاً من الناحية الاقتصادية عن المركزية الإسلامية، ويرتبط هذا المورد بأهم مراكز العالم ثراء في المحيط الهندي وجنوبي شرقي آسيا والصين (37)، ولذلك سمعت كلمة أباضي في ميناء كانتون بالصين (38).

- أما طبيعة عمان (39) فقد لعبت هي الأخرى دوراً بارزاً في حماية الأباضية بها ضد أي محاولة من قبل الأمويين لاحتلالها والسيطرة عليها بل فشلت كثير من حملات العباسيين فيما بعد من احتلال عمان وضمها إلى سلطته، فقد فشلت حملة القاسم بن شعوة المزني، وكلما أرسل الحجاج جيشاً هزم واستولى أهل عمان على متاعه، حتى تمكنت جماعة في النهاية بفضل كثرة أعدادها وتنوع جيوشها والإمدادات التي وصلت من خلفها أن تنتصر على أهل عمان بعد أن لاقت صعوبات كثيرة في سبيل ذلك. وبذلك ضمن أتباع الحركة في عمان أنهم في مأمن من أية محاولات من قبل أعدائها بفضل حماية الجبال (40) والموارد الزراعية المتوفرة في داخلها بعيدة عن أيدي السلطة. بل اتجهت انظار قادة الدعوة نحو جعل عمان المركز الأول للأباضية بعد تدهور أوضاع البصرة بحكم مؤهلات عمان من ناحية المكان والسكان، وبالفعل أصبحت عمان منذ بداية العصر العباسي، وحتى الآن، موطنا هاما للأباضية (41).

- 121 -

١١٤ / ٢٦١