Alsaidia_400_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٣١سالت
وعاش جابر بن زيد حياة بسيطة في البصرة مرتبطا بابنته وزوجته آمنة، فروي عنه قوله: ربي إمرأة وراحلة صالحة ورزقاً كفانا فأعطانيهن (16)، كما أن زوجته لعبت دورا هاماً في حياته في البصرة وكان جابر يكن لها كل تقدير، وقد روي عنه قوله: ما من نازل ينزل بي أحب إلي من الموت ينزل بي ثم بأمنة. فقد كانت تخرج إلى الحج في السنة التي لا يخرج فيها
هو (17).
عاش جابر في البصرة في فترة من أهم فتراتها السياسية والحضارية (18)، فأخذ يدعو الناس إلى الإلتزام بالدين الإسلامي ويندد بالمنحرفين عنه وكان يبارك الثورة ضد الظلم، كما كان يواجه الانحراف في الفكر والسلوك الذي ظهر في البصرة في تلك الفترة الهامة من حياة المدينة، حيث وردت عنه تحقيقات لكثير من تلك المسائل (19). وأصبح ديوانه (20) الذي ألفه منهلاً لطلاب العلم في كثير من فروع العلم، فنقلت عنه مسائل كثيرة وأقوال وأحكام عديدة، وترجع أهمية ديوان جابر وتأليف جماعته إلى قربها من عصر النبوة، فكان إسناده للرواية أو المسألة أو الحديث قليلاً فهو يأخذ من الصحابة مباشرة.
وكانت لجابر بن زيد آراء كثيرة ما زال معمولاً بها في معظم المذاهب الإسلامية منها تحريم نكاح الصبيان وهو تزويج الصبي بالصبية، أو تزويج البالغ بالصبية، أو تزويج الصبي بالبالغة، ومن آرائه كذلك جعل الخلع فسخاً للنكاح لا طلاقاً، ومنها كراهة الجمع بين بنات العم خوف القطيعة. وقد روى الحارثي أحكاماً أخرى مرتبطة به في كتابه العقود الفضية في أصول
الأباضية (21).
ارتبط بجابر بن زيد في البصرة جماعة كبيرة لأخذ العلم عنه سواء من التابعين، أي من طبقته أو من تابعي التابعين، ومن أشهر هؤلاء قتادة، شيخ الإمام البخاري، وعمرو بن دينار، وعبد الله بن أباض، وإن كانوا في طبقته، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، زعيم الجماعة من بعده في البصرة، وضمام بن السائب، وأبو نوح صالح الدهان، وسلمة بن سعد الحضرمي، الذي ذهب إلى بلاد المغرب يدعو إلى مبادئه، وأبو فقاس، بل قدم الكثير من طلاب العلم من عمان وخراسان وحضرموت بالإضافة إلى طلاب البصرة، وهكذا أصبح جابر مؤسساً لمدرسة فكرية مستقلة في عصره، (22)، وظل متفرغاً للعلم والدراسة حتى نهاية حياته، رافضاً تولي المناصب الإدارية في حكومة إدارة ولاية البصرة (23).
ونظراً لهذه المكانة العلمية الكبيرة فإن جابر بن زيد أصبح له دور في توجيه الأحداث في مدينة البصرة، فإذا كان جابر قد اقتنع بفكر أبي بلال مرداس بن آدية التميمي وانضم إليه بعد فرار الأخير من النهروان، فإن أبي بلال أعجب بمكانة جابر العلمية فجعله زعيماً لجماعته. واخذ جابر بن زيد منذ تلك الفترة يمثل تياراً مستقلاً من تيارات مدينة البصرة المضطربة فقد رفض الخروج والاستعراض للمسلمين بالسيف، بل كان يحاجج المسلمين لدماء المسلمين، فيلقي المتطرفين من المحكمة قائلاً: «أليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريهما بدين (24). بل تبرأ جابر من أفعال الأزارقة لأنهم قطعوا على أهل القبلة عذرهم في التقية (25).