عُمان والحركة الإباضية محمد قرقش [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_400_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٣٢

وظل جابر في البصرة ملتزماً بمبادئ أبي بلال مرداس من خلال أحاديثه وفتاويه وأجوبته على مريديه ملتزماً بالسرية التامة ومستعملاً أسلوب التقية الدينية، ويعمل ما في وسعه نحو الحفاظ على سرية الحركة وإخفاء مبادئه. ولذلك اعتبر جابر منشئ الأباضية (26) ومؤسسها الأول، لأنه انتهج سياسة ناجحة تمكنت من العبور بالجماعة العواصف والأخطار وميزها عن جميع الفرق التي اشتركت معها في الأصول والبدايات. ومن جوانب هذه السياسة:

أولاً: اتباع الأسلوب السري المنظم لدعوته:

وقد لجأ إلى ذلك نتيجة لحملات الإبادة التي تعرض لها جماعة المحكمة في البصرة منذ ولاية عبيد الله بن زياد، لا سيما وأن هذه الفترة اضطرت بعض القعدة المعتدلين إلى التطرف، وخاصة بعد أحداث مقتل أبي بلال وأصحابه في عام 61 هجرية / 680 م (27). كما زاد أتباعه في التمسك بهذه السياسة فشل كثير من حركات الخوارج المتطرفة مثل الأزارقة والنجدات (28). ونتيجة لهذه التنظيمات الجيدة التي اتبعتها الجماعة زمن جابر فإن السلطات الأموية لم تتمكن من وضع أيديها على أي تحرك أو شبهة لجابر، وأتباعه، وبالتالي فإنها ظلت في أمان عن أعين الأمويين، حتى اننا لم نجد بين المصادر الأباضية وغيرها أن الولاة الأمويين زمن زياد وابنه عبيد الله تعرضوا بسوء لجابر.

وتمشياً مع تلك السياسة احتفظ جابر بعلاقات ودية مع والي العراق الأخير، في حياته، وهو الحجاج بن يوسف الثقفي، كما كان جابر صديقاً حميماً لكاتب الحجاج، يزيد بن أبي مسلم، وتذكر المصادر أن جابر قد تردد مرات على مجلس الحجاج، حتى أعجب الأخير بعلمه فعرض عليه قضاء البصرة (29)، فرفض جابر متعللاً بعجزه عن حل بعض القضايا (30). وبفضل صداقة يزيد كاتب الحجاج لجابر، جعله في أعوان صاحب ديوان البصرة وفرض له عطاءاً من بيت المال مقداره حوالي 600 درهم (31)، وهذا أمر مباح في الأباضية، فقد قبل بلال أخد أعطياته من ابن زياد، كما قبل جابر أخذ عطاء من الحجاج (32)، واستندوا إلى أن الأعطيات للمسلمين زمن عمر ابن الخطاب (33). وكانت هذه التصرفات من قبل جابر بن زيد أمراً هاماً في إبعاد الشبهات عن

أتباعه وعنه ولم يخطر ببال أن يتزعم جابر جماعة سرية مناوئة للحكم الأموي (34). وأثارت علاقة يزيد بن أبي مسلم بجابر شكوكاً لدى الباحثين لاحتمال كونه خارجياً، ولكن ينقص هذا الرأي الدليل، فلا يكفي أن يكون صديقاً لجابر لكي نقبل ضمه في الأباضية، في الوقت الذي كان فيه يزيد مخلصاً للحجاج، وكان يكن حباً وتقديراً للعلماء. كما أنه قتل على أيدي الخوارج حينما أصبح فيما بعد والياً لشمال افريقية في خلافة يزيد بن عبد الملك (25). ورغم تدهور العلاقات بين الحجاج وبين أزد العراق بما فيهم جابر بن زيد، بسبب التطورات السياسية التي وقعت في بلاد المشرق الإسلامي في العقد الثامن من القرن الأول الهجري / نهاية السابع الميلادي (36)، فإن الحجاج لم يتوصل إلى كشف تنظيمات الجماعة.

- 132 -

١٢٥ / ٢٦١