عُمان والحركة الإباضية محمد قرقش [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_400_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٣٣

ثانيا: تحويل الحركة الأباضية من الجانب القبلي إلى المستوى الإسلامي: بدأ جابر يعمل جهده في سبيل تطوير ونشر دعوته والخروج بها من الحيز القبلي الضيق إلى جعلها حركة إسلامية واسعة. ذلك أن أبا بلال قد جعل من قبيلته بني تميم التي ينتمي إليها في البصرة حجراً لدعوته، بعد قراره من النهروان، وتمكن من الاحتماء بها بفضل زعيم القبيلة الأحنف بن قيس (17). ومن خلال هذا الأمر أخذ يدعو الناس إلى دعوته فانضم إليه الكثير ومنهم جابر بن زيد وعبدالله بن أباض وغيرهما.

ولما تولى جابر زعامة الحركة استفاد من سياسية أبي بلال في الإستناد إلى الحماية القبلية، فوجه قسماً كبيراً من جهوده نحو إقناع أفراد من قبيلة الأزد، خاصة أزد العراق إلى دعوته، وبالفعل انضم إليه الكثير منهم. ولكنه اتخذ من أفراد قبيلته جنداً ودعاة لنشر دعوته على المستوى الإسلامي الواسع، فأصبح معظم دعاة الحركة وحماتها البارزين ينتمون إلى الأزد، حتى أن نساء المهالبة، بذلن جهوداً وتضحيات من أجل نصرة الدعوة وحمايتها، فكن يعطين بسخاء من أموالهن لبيت مال الدعوة، ويساعدن المحتاجين فيها، زمن جابر وزمن خلفائه (38).

وبالفعل انتشرت دعوة جابر بن زيد بين عناصر متعددة من أهل البصرة، فبجانب اتباعها من تميم والأزد، انضم إليها العديد من الموال، وأصبح لها اتباع من خراسان وعمان واليمن وحضرموت، حيث كان جابر يرسل الدعاة ويراسل أتباعه في تلك المناطق ويكتب إليهم في شأن دعوته، بسرية تامة (39). وقد اعتبرت هذه السياسة الأساس الأول لتنظيمات الإمام التالي أبي عبيدة في تنظيمه لمجالس حملة العلم ومقاصدها. فقد أسس أبو عبيدة مدرسة لتخريج الدعاة يتعلمون فيه أساليب الدعوة وأمور السياسة والحرب وسموا» حملة العلم» (4). ولم يمت جابر ابن زيد إلا وأصبحت الدعوة الأباضية دعوة إسلامية شاملة.

وإذا كانت شخصية أبي بلال بن مرداس قد تجاذبتها الفرق فيما بينها مدعية انتمائه إليها (41). فإن شخصية جابر بن زيد دارت حولها الفرق والجماعات، ولكننا نرى أن المصادر والمراجع الأباضية تصر على نسبته إليها وتجعله في مقدمة زعمائها وفقهائها وعلمائها فهو بحر العلوم. وسراج التقوى، وأصل المذهب الأباضي وأساسه الذي قام عليه نظامه، ه، واعتبرته الإمام المعتمد (42)، وتستدل هذه المصادر والمراجع الأباضية بمواقف عديدة على أهمية قيادة جابر بن زيد لها وأنه كان يقوم مقام الإمام لها في مرحلة الكتمان مستدلين بحادث مقتل خردلة (43). أما المصادر الأخرى، فتعتبر جابر بن زيد من أهم علماء المسلمين في البصرة، فكان في نظرها حجة في أقواله وتفسيراته (44)، واحتج بأقواله مجموعة من المفسرين والفقهاء، فقد " وردت إشارات بمكانته العلمية عند السيوطي وابن حجر، وقال عنه ابن تيمية بأنه أعلم الناس في زمنه (وروى علماء السنة في البصرة عنه الحديث بلا منازع وأجمعوا على عدالته وضبطه بل أنه يعتبر من رجال أصح الأسانيد) فروى عنه ابن حزم، وقتادة، كما كان يستفتيه الحكام (45). وقد أدى هذا الأمر إلى وجود تناقض حول تقييم مركز عبدالله بن أباض، الذي نسبت إليه

١٢٦ / ٢٦١