Alsaidia_400_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٤٧ولم تشهد هذه المنطقة استقراراً في العصر الأموي إلا منذ عصر زياد بن أبيه، لأن معاوية، اعترف بزياد إبنا لأبيه أبي سفيان (14)، ثم أرسله إلى البصرة والياً عليها وهو على ثقة منه. فقدمها زياد مدشناً حكمه بخطبة مرتجلة طارت لها شهرة واسعة في كتب الأدب والتاريخ (15) ومثلت هذه الخطبة برنامجاً جديداً لعمل الوالي الجديد، مصمماً على تطهير المنطقة من أي صورة للمعارضة. ومن هذا الموقف وتلك المنطقة استقل زياد بحكم النصف الشرقي من الدولة الإسلامية (16).
وفي الوقت نفسه بدأ أبو بلال مرداس بن آدية التميمي يشق لنفسه وجماعته طريقاً مستقلاً ونهجاً خاصاً بين جماعات المحكمة والخوارج (17)، وأمام شدة وقوة الولاة الأمويين على المدينة التي استقر بها وهي البصرة. فقد عاب على خروج أبي مريم بالنساء، وعلى كثير من ثورات الخوارج غير مستحل لأعراض المسلمين والخروج بالنساء. داعياً أتباعه عدم استعراض المسلمين لأنهم موحدون لا تحل دماؤهم ولا أموالهم إلا بعدوان (18). بينما عارض سياسة زياد (19) في بعض عبارات خطبته التي أعلن فيها أنه سيأخذ المصلح بالمسيء.
ويبدو أن الظروف السياسية التي سادت العراق (جنوبه) حتى هذه الفترة كانت تتمثل في محاولة الولاة الأمويين إقرار الأمور بأية طريقة ولذلك فإننا نلاحظ أن فترة ولاية عبد الله بن عامر ثم زياد بن أبيه للبصرة (20) وولاية المغيرة بن شعبة للكوفة اقتصرت على محاربة الجماعات
المتطرفة فقط، وتركت المجال أمام النشاطات السرية. ويتضح ذلك من أمرين هما: الأول: رواية الطبري وابن الأثير عن أحداث سنة 43 هجرية / 663 م (21) من أن المغيرة بن شعبة لم يتحرك بقواته تجاه المستورد بن علقمة التميمي (22) وأصحابه في الكوفة إلا حينما وصلته الأنباء عن المبايعة وتسميته أمير المؤمنين وبداية خروجهم ضد الأمويين. كما أن والي
البصرة عبدالله بن عامر سارع بإرسال قوة للمشاركة في القضاء على هذه الحركة. الثاني: كان زياد حينما قدم إلى البصرة سنة 45 هجرية / 665 م مكلفاً بمهام كثيرة في المنطقة تتعدى في خطورتها جماعة المحكمة، فكانت مناطق العراق ما زالت مضطربة وتحتاج إليه بسرعة. فبدأ في إرساء دعائم الحكم الأموي فيها وإقرار الأمن والاستقرار. وكانت خطبته البتراء التي ألقاها تعبيراً عن استراتيجيته الجديدة في إدارة المنطقة فأعلن فيها عصراً جديداً ونهاية عصر سابق (23). وبالفعل استتب الأمن في البصرة حتى كانت المرأة تبيت فلا تغلق بابها (24)، وزادت ثقة معاوية به فأضاف إليه الكوفة سنة 50 هجرية / 670 م بعد وفاة المغيرة، وبعد فترة أضاف إليه حكم، فارس، وهكذا استقل زياد بحكم القسم الشرقي من دولة الأمويين حتى تطلع إلى حكم مناطق أخرى (25). وأصبح رجل المهمات، ورجل الأزمات، الصغيرة والكبيرة عن الأمويين (26).
حدد زياد علاقته. مع القعدة المعتدلة في البصرة، منذ البداية، ذلك أن أبا بلال مرداس بن ادية التميمي أثناء إلقاء زياد لخطبته البتراء، عارض أخذه الوالي بالولي والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر، وذكره بالآية الكريمة … «وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى» (37).
-\ {V_