Alsaidia_400_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٤٨المحكمة
فاقتنع زياد بحجته بقوله: «إنا لا نبلغ من أصحابك حتى تخوض إليهم الباطل خوضاً. أي أن زياد لن يتجه إليهم ما داموا ملتزمين بالسكينة، بينما اشتد في مواجهة المتطرفين من وخاصة موقفه الصارم مع قريب بن مرة، وزحاف الطائي اللذين أثارا الفوضى في البصرة (28). وقد استنكر أبو بلال فعلهما في الخروج واستعراض الناس (29).
ويبدو من المصادر أن أبا بلال قد استغل هذه الفترة في توسيع نطاق دعوته وتنظيمها، ملتزماً بسياسته التي ينتهجها في استنكاره للخروج ولمبدأ العنف الذي ينتهجه المتطرفة من المحكمة، فنادى أتباعه ألا يجردوا سلاحاً ولا يقاتلوا مسلماً إلا إذا تعرضوا لعدوان وكان يقول: إن تجريد السيف وإخافة السبيل لأمر عظيم (30). فتزايد عدد أتباعه ومؤيديه حتى أصبح لهم مسجداً مستقلاً. بهم في البصرة (31). وبذلك تأصلت دعوة أبي بلال في البصرة، ورأى زياد في ميل تلك الجماعة إلى التعقل والاعتدال في الأمور نوعاً من إقرار ونجاح سياسته (32) فتركهم وشأنهم ولم نسمع في تلك الفترة عن أي توتر بين إدارة البصرة وجماعة أبي هلال. بل أن زياداً مثل لهم رجلاً مسالماً فكان مجلسه فيه رجال من أتباعهم، كما ولى بعضهم بعض أعماله وأغدق على بعضهم الهبات (32).
المعتدلة
لكن المصادر قدمت صوراً مختلفة لابنه عبيد الله (55 هجرية / 674 م) في معاملة المحكمة ة في البصرة، فقد لج في مطاردتهم وحبسهم، وأخذ يتتبعهم وأخضعهم لمراقبة شديدة وكان يبث الجواسيس والعيون لمراقبتهم، وكثيراً ما كانت الشرطة تداهم بعضهم وتلقي القبض عليهم في سراديبهم السرية. وأعلن أنه سيقتل من في حبسه منهم، إذا قتل أحد رجاله على أيديهم. ولجأ ابن زياد إلى أساليب الوقيعة بينهم فقد كان يفرج على أحدهم إذا قتل صاحبه، وأوقع بين العرب والموالي منهم وكان يأمر الموالي بضرب أعناق العرب (34) بالرغم من أن ذلك يتنافى مع شريعة الإسلام ومبادئه.
أصبحت الساحة السياسية خالية أمام جماعة المحكمة، وكان بإمكانها تحويل مجريات الأحداث السياسية في المنطقة لصالحها، ولكنها وقعت في مشكلة خطيرة وهي الإنقسام الكبير الذي وقع بين زعمائها. فقد استقر نجدة بن عامر الخنفي، في اليمامة مبايعاً من قبل أتباعه (35). وخرج نافع بن الأزرق إلى الأهواز مستحلاً دماء مخالفيه من أهل القبلة، مكفراً القعدة عن الخروج مظهراً البراءة منهم رافضاً التقية في القول والعمل (36). واحتفظت لنا المصادر بصور من الرسائل المتبادلة بين زعماء المحكمة والتي نستشف منها أسباب الخلاف وتطور الأفكار والأساليب (37). وهكذا تفرقت المحكمة بدلاً من أن توحد جهودها للمرحلة
المقبلة.
وبدأت كل فرقة من فرقها تحاول استغلال الظروف لصالحها. ففرضت الأزارقة سيطرتها على مساحات كبيرة من أرض الأهواز وأجزاء من فارس وكرمان، ومدت نفوذها إلى سواحل الخليج العربي حتى عمان، محرزة انتصارات عديدة على الجيوش الأموية ثم الزبيرية (28). بينما تمكن نجدة بن عامر، وهو وسط بين التيارين (39)، من بسط نفوذه في اليمامة والبحرين وأرسل حملة لضم عمان وقد نجح في ذلك فترة من الزمن.
-1 EA_