Alsaidia_400_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٤٩ولكن يبدو أن الجماعة المعتدلة التي ظلت في البصرة، محرمة دماء مخالفيها من أهل القبلة، قد ظلت مرتبطة بأفكار زعيمها الراحل أبي، بلال، وإن كانت المصادر تضطرب حول قيادتها الجديدة التي برزت خلال تلك الأحداث، ويبدو أن عمران بن حطان اعتبرته الصفرية إماماً لها ومؤسساً لنهجها الجديد (40)، بينما اعترفت به الأباضية كزعيم في تلك المرحلة ولكنها تعتبر جابر بن زيد إمامها والمعبر عن أفكارها (41)، ومن أهم فقهاء وعلماء البصرة آنذاك (42). ويمكننا القول أن سياسة عبيد الله بن زياد تجاه المحكمة في البصرة كانت لها نتيجتين هما:
الأولى: القضاء على زعامات الحركة، الذين حملوا أفكار المحكمة الأوائل من النهروان وكانت لها تجاربها الخاصة مع الأمويين وأسلوبها في الكفاح، وقد ظهر أثر هذا في فشل الزعامة الجديدة في استغلال ظروف الإضطرابات التي سادت البصرة بعد موت يزيد بن معاوية ورحيل واليها ابن زياد عنها. فتفرقت جهودهم واختلفت آراءهم.
الثانية: ظهور فريق متطرف من المحكمة رأى ضرورة الخروج على الحكام الظالمين، في نظرها، محرمة الإقامة بين ديار مخالفيها من أهل القبلة، وقد استندت هذه الجماعة إلى أدلة تؤيد وجهة نظرها (43).
وبذلك كان الانقسام بين تلك الجماعة في تلك المرحلة انقساماً مذهبياً فكرياً حول بعض القضايا الفقهية ومفاهيمها (44). وليس على أساس خطط مدبرة للقضاء على الدولة الأموية كما يعتقد البعض (45). . وبعد هروب ابن زياد، لم نجد أية مصادمات بين رجال العهد الزبيري الجديد وبين جماعة المحكمة المعتدلة، ذلك لأن المحكمة كانت ترى أن الحكم الأموي هو أساس المعارضة (46). كما أن مصعب بن الزبير كان يكن احتراماً لزعمائهم في البصرة، ويبدو أن الطرفين كانا يستعدان لعدو واحد هم الأمويون، ولذلك استفاد كلا الطرفين من هذا الأمر ولم يحاول استفزاز الطرف الآخر (47). وظلت الظروف هادئة في البصرة حتى في الفترة التي أعقبت زوال العصر الزبيري لأن الأمويين كانوا مشغولين بالقضاء على المتطرفين من الخوارج في الأهواز والخليج وكرمان.
وقد استفادت جماعة الأباضية من هذه الفترة في الاتجاه إلى الدراسة والتعمق في أمور الدين. واتضحت لديهم استراتيجية الكفاح والدعوة كفريق مستقل عن الصفرية (48) واستغلت الأباضية ظروف الاضطراب بين أهل البصرة وسكانها من صراع قبلي وتبادل حكمها بين الأمويين والزبيريين وثورات الخوارج إلى ضم الكثير من أهالي البصرة إلى مبادئهم (49).
وقد ظل أهل عمان مرتبطين بأفكار المحكمة المعتدلة في البصرة، وكانت جولة عمران بن حطان ونزوله بينهم شاهداً على تمسكهم بأفكار أبي بلال مرداس بن آدية التميمي (50).
- 149