Alsaidia_400_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٦٨الحجاج الكثير من الجهد والوقت حتى تمكن من إخمادها وعودة الأوضاع في جنوب العراق إلى الهدوء خاصة بعد أن شملت البصرة والكوفة، وكذلك فارس. وقد برهنت هذه الثورة للحجاج ضرورة القضاء على معارضي السلطة الأموية، حتى الذين في موضع الاشتباه، وبدأت سياسته ترتكز بعد هذه الأحداث على القمع كأفضل الأساليب لحماية نظامه وتحقيق أهدافه، فزاد في ممارسة أساليب الشدة.
بعد أن تمكن الحجاج من إعادة الاستقرار إلى العراق والمشرق الإسلامي بصفة عامة، أخذ يتطلع نحو الجنوب في سبيل مد سيطرته إلى سواحل الخليج العربي حتى عمان، خاصة وأن هذه المنطقة تمثل أهمية خاصة في الخطوط الملاحية التجارية إلى المحيط الهندي وبلدان جنوبي شرقي آسيا (23)، كما انه لن يتمكن من مد نفوذه إلى مناطق المحيط الهندي دون ضمانه
السيطرة على سواحل عمان.
كانت عمان في السنوات السابقة تمثل نمطاً خاصاً في العالم الإسلامي، إذ أصبحت السلطة الحقيقية فيها في يد زعماء الأزد من آل الجلندي وخاصة منذ مقتل الخليفة عثمان بن عفان سنة 35 هجرية / 655 م فأصبح عباد بن عبد بن الجلندي، الذي أقرته إدارة المدينة، حاكماً مستقلاً لعمان، بعيداً عن العواصف التي اجتاحت العالم الإسلامي، ثم خلفه في الحكم ولداه سعيد وسليمان. وقد حافظ هؤلاء الحكام على استقلال عمان، فقد رفض عباد بن عبد محاولات النجدات ضم عمان إليهم وقتل أثناء حربه معهم، ولكن أبناءه تمكنوا من طردهم (24). بل أن سيطرة حكام عمان امتدت إلى مياه المحيط الهندي والخليج العربي فكانوا يأخذون العشر من
السفن (25).
فأخذ الحجاج يتجه صوب سواحل الخليج العربي وعمان. ويبدو أن الرأي القائل بأن الحجاج قد أجل معالجة ثورة سعيد وسليمان ابني الجلندي في عمان حتى يتمكن من القضاء على ثورة عبد الرحمن بن الأشعث (36) هو رأي غير مقبول، ذلك لأن عمان كانت بعيدة عن الإدارة الأموية تماماً حتى هذا الوقت وبالتالي فلا يوجد نفوذ للأمويين فيها يؤدي إلى ثورة سعيد وسليمان ابني
عباد ضده.
ولكن يبدو أن الأسباب التي جعلت الحجاج يتجه إلى الخليج وعمان هو محاولاته تأمين الطرق البحرية إلى المحيط الهندي، ومد سيطرته على تلك المنطقة، كما أنه بدأ يتجه إلى
م
مواجهة الوضع في البحرين وسواحل الإحساء حيث نفوذ النجدات منذ 66 هجرية / 685. وقيام نجدة بن عامر الحنفي بضم أجزاء من البحرين إليه سنة 67 هجرية / 686 م، ثم قيامهم بضم عمان سنة 68 هجرية / 687 م، بل نجح نجدة في مد نفوذه إلى اليمن وحضرموت والحجاز (37). فبدأ الحجاج يدرك أن أمن البصرة وجنوب العراق مرتبط ارتباطاً كبيراً بأمن الخليج ة (28). العربي وسواحله خاصة حينما لاحظ شدة الارتباط القبلي بين قبائل الخليج العربي والبصرة (1) كما أن انتشار أفكار الخوارج في البحرين واليمامة وعمان، ومنطقة الخليج العربي بصفة عامة وتمسك أهلها بها يعتبر فكراً واتجاها مخالفا للخلافة الأموية ومعاديا للحجاج، كما أن
-174 -