عُمان والحركة الإباضية محمد قرقش [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_400_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٥٢

النكسة الكبرى والمهزلة التي تعرضت لها الدولة الإسلامية في حرب صفين وما ترتب ومع على ذلك من انقسام المسلمين بشكل واضح وحاد، وبصورة خطيرة، وصلت نتائج هذا الأمر إلى عمان فظهرت السيطرة القبلية بصورة واضحة في تحديد التوجهات السياسية فيها بشكل واضح عن ذي قبل، ورغم وجودها بصورة مشاركة في الفترة السابقة، وعاد آل الجلندي إلى حكم عمان بلا منازع وأصبح عباد بن عبد بن الجلندي حاكماً مستقلاً ببلاده، فقطعت صلاتهم بالقيادة الإسلامية.

ولكن عمان قد ارتبطت بصورة وجدانية وعقائدية وثيقة مع العالم الإسلامي، فألقت عمان بقبائلها ورجالها في التيارات السياسية والعقائدية التي شهدها العالم الإسلامي بعد صفين، وساعدت عوامل قبلية في هذا الأمر، كما كان القرب الجغرافي والارتباط التجاري بين عمان وجنوب العراق عاملاً أدى إلى المساهمة الفعلية في الأحداث التي تعرض لها العالم الإسلامي منذ تلك الفترة، خاصة منطقة المشرق الإسلامي.

بدأ التعانق بين فكر المحكمة ومبادئهم وبين أهل عمان، وبصورة عملية في البصرة، بجنوب العراق وشمال الخليج العربي وعمان، فهي المدينة التي يشغل الأزد منها حياً مستقلاً في الأزد وشمل هذا الخمس دروباً لأزد عمان، وهي المدينة التي فر إليها جماعة من زعماء المحكمة احتماء بين قبيلتهم تميم، كبرى قبائل البصرة. وبدأ أبو بلال مرداس بن أدية التميمي، يدعو إلى فكره في المدينة فانضم إليه الكثير من سكانها منهم جابر بن زيد الأزدي

خمس

العماني.

ولم توجد قضية قلقة بين الأقلام التي اقتربت من الروايات الأباضية وغيرها، مثل ما لاقت قضية جابر بن زيد ومكانه الصحيح في الحركة، ودوره في فكر المحكمة لقد وجدت شخصيات هامة تحركت مع جابر لنصرة فكر أبي بلال في البصرة، ولكن يبدو أن مكانة جابر العلمية وسعة فقهه جعلت منه زعيماً بين أقرانه، حتى في وجود أبي بلال مرداس نفسه. فهناك عبدالله بن أباض وغيره في تلك الفترة.

ولكن الظروف السياسية حتمت الربط بين الأباضية وبين عمان، فإذا كانت هذه الظروف قد أدت إلى انقسام المحكمة منذ 64 هجرية / 683 م، إلى فريقين أساسيين هما: الفريق المتطرف وعلى رأسه جماعة الأزارقة، والفريق المعتدل وعلى رأسه جماعة الأباضية، فإن تلك الظروف أيضا اضطرت زعيم الأباضية أن يحمي نفسه ودعوته من سيوف وسياط الأمويين وولاتهم في البصرة، فوجه جهده نحو أفراد قبيلته من أزد عمان الموجودين في البصرة، وعلى رأسهم آل المهلب، زعماء أزد العراق والمشرق. فانضم إليه الكثير وأصبحوا حماة ودعاة وقادة للأباضية

فيما بعد.

وحمل هؤلاء فكرهم إلى بلادهم عمان، فتلقفها أزد عمان وأهلها لأنهم وجدوا فيها صورة معبرة يحول في نفوسهم وخواطرهم وأمانيهم الوطنية، خاصة فيما يتعلق بقضية رئاسة الدولة. التي أصبحت حسب مفهوم الفكر الجديد لا ترتبط بقبيلة معينة من قبائل العرب أو بمنطقة دون

- 252 -

٢٣٥ / ٢٦١